كيف تُمكَّن المرأة... اقتصاديا؟

من التطورات المهمة في القرن العشرين دخول المرأة معترك الحياة الاقتصادية والاجتماعية وما نجم عنه من تغيير في التركيبة الاقتصادية للمجتمعات، تمثَّلَت برفع نسبة مشاركة المرأة إلى ما يزيد على 40% من حجم العمالة في العالم، لكن ذلك لم يؤد لتمكينها اقتصاديا بالشكل المناسب، فما بالك وهذا المعدل في المنطقة العربية يتراوح عند مستوى 21% فقط. فتمكين المرأة اقتصاديا يعني بالأساس تمكين الرجل أيضا، وبلغة أخرى تمكين المجتمع نفسه، وهذا يعني أهمية تعميم فكرة التمكين المجتمعي ليحقق نتائجه الإيجابية للجميع، وعدم اعتبار تمكين المرأة مجرد موضة فقط، لأن مؤسسات دولية تعلن عن أو تمّول مشاريع تدعم هذه الفكرة، التي قد تتغير وجهتها لصالح غيرها، ولا يجوز أن يتحول هذا الموضوع من ضرورة تفرض نفسها على صاحب القرار في جميع الأوقات، إلى مجرد اهتمام عابر لتلقّي الإشادة بذلك. يتطلب التمكين إتاحة الفرص للمرأة للعمل في أنشطة تدر عائدا أعلى بإزالة العوائق التي تحول دون حصولها على الأصول التي تمكنها من ذلك، والتوسع في برامج التدريب المالي والإداري والقانوني، والأهم إشراك أكبر عدد من النساء في صُنع السياسات رغم أن إشراك الرجال فيها قد لا يكون له تأثير أيضا، مع التمييز بين زيادة الفرص المتاحة للنساء للعمل، وبين زيادة مشاركتهن الاقتصادية. لذلك فالتمكين الاقتصادي يحتاج تمكينا قانونيا يبدأ من إصلاح التشريعات الضريبية والمالية لضمان حصول المرأة على حقوق متساوية، فالمشكلة الأساسية أن التمييز ضد المرأة يكمن، في كثير من الحالات، في مجالي حقوق الملكية والأهلية القانونية، حيث تتراجع المساواة بين الجنسين فيهما، ما يتطلب مراجعة حصيفة للقوانين للتخلص من هذا التمييز أو إلغائه، خاصة أنه لا توجد فجوات بين الجنسين عند قراءة النصوص القانونية، فنادراً ما يتم النص على ذلك صراحة، وهي تفترض مسبقا أنهما يستطيعان بنفس القدرة والسهولة أي بنفس المستوى أو الدرجة من الأريحية الدخول في عقود، أو التنقل بحرية، أو امتلاك أو السيطرة على الأصول، دون إدراك، بحسن نية أو بسوئها، عقبات القوانين والأنظمة المعنية بالأسرة والأحوال الشخصية، وفرص الحصول على الائتمان وعلى الموارد الإنتاجية، والأهم النقص المتعمد في المعلومات عن إنتاجية المرأة في أماكن العمل والتحيز المؤسسي ضدها، من ذلك عقوبة الأمومة التي تقدر بنسبة 14% من الأجر في بعض الدول كبلدان منظمة التعاون والتنمية (OECD) مثلا، وغيرها. وفي واقع الحال يُظهر موضوع تمكين المرأة اقتصاديا إشكالات عديدة، كفكرة التضحية بعمل المرأة لصالح الرجل، من خلال دعوات تصدر بين الحين والآخر في المجتمعات العربية وغيرها لإخراج النساء من سوق العمل على قلة وجودهن فيه، لصالح الرجال العاطلين عنه، وتنميط دور المرأة بحيث يكاد أن يكون بمثابة القانون على صعيد الوظائف والمهن التي يمكن أن تشغلها، وبوجود غالبية كاسحة من الرجال هم في الواقع أصحاب القرار النهائي بالسماح للمرأة بالعمل، ناهيك عن السطو على راتبها أو دخلها أو ميراثها. المسألة ليست التمكين، بل كيف تمكن إقامة بيئة تمكن المواطن بحد ذاته، رجلا أو امرأة، من الحصول على فرصته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية وفق معايير معلنة وشفافة ومتساوية، وليس عشوائيا أو تحيُّزِيًّا أو تمييزيا، كما هو حال مجتمعنا العربي من خلال تنميط أدوار المواطنين، وهو ما يُوجد تمييزا مسبقا حتى مع إقرار أنظمة وسياسات وقوانين تتحدث عن المساواة والعدالة - إن كانت متوفرة أصلا - وتكون في الوقت ذاته قد صيغت (عمداً أحيانا) بصورة ملتبسة لتسمح بالتمييز، فهي مُعدة بالشكل لتكون جميلة وفي المضمون لكي تُميز، وفي مثل هذه الظروف فمن الواضح أنه أسهل للمرأة إثبات امتلاكها المهارات الفنية والمعرفية، من أن تتغلب على التحيز في التقييمات لإنتاجيتها الاقتصادية، ومع ذلك فتمكينها الاقتصادي، يظل ممرا إجباريا للتمكين الاقتصادي للمجتمع، ولتطوره، وزيادة فرص نمو اقتصاده، وتحسين مستوى معيشة أفراده.