وجدت وزارات المالية في حكومات دول الخليج نفسها مضطرة إلى تطبيق سياسات ترشيد الانفاق في عدد من بنود المصروفات تزامنا مع التراجع الحاد في أسعار النفط الذي تعتمد عليه في تنمية اقتصادها وإعداد موازناتها العامة وتسيير بنود الإنفاق. وقد أكدت بعض التصريحات الإعلامية الرسمية أن هذه السياسة وفرت عشرات الملايين من الدولارات خلال بضعة أشهر من تطبيقها وان وزارات المالية ماضية في الحد من عمليات الهدر في المال العام والسير قدما في تطبيق ترشيد الإنفاق وضبط المصروفات الرسمية وتوفير موارد قادرة على الإسهام في الحد من خسائر تراجع قيمة النفط في الأسواق العالمية. ورغم ما لهذه السياسة من آثار على القطاع الخاص المعتمد اعتمادا أساسيا في تنفيذ المشاريع وتقديم الخدمات والاسناد... على المناقصات الحكومية بما في ذلك تسويق وتوزيع الصحف واستضافة الندوات والمؤتمرات التي تستفيد منها قطاعات الفنادق والضيافة والنقل وشركات الإعلام والدعاية... إلا أن الحكومات الخليجية مضطرة إلى اتباع سياسة ترشيد الإنفاق لتحقيق نتائج إيجابية على المدى البعيد في ضبط المال العام وتحجيم أوجه وصور الفساد والتطبيق الفاعل للقوانين واللوائح الخاصة بالمحاسبة والإشراف والمتابعة والتوجه نحو المشاريع والقطاعات والاستثمارات النوعية الخاصة بزيادة الإيرادات والاستدامة وتشجيع القطاع الخاص للبحث عن مجالات جديدة تتسم بالتنوع والتكامل وآفاق ارحب لأنشطته وأعماله تكون فيها المشاريع الحكومية جزءا من هذا النشاط الواسع. ولا ينبغي أن تقتصر هذه السياسة على ترشيد الانفاق الحكومي فقط، بل إنه لمن الملح أن يصبح الترشيد ثقافة عامة تدخل ضمن الحياة اليومية لكل مواطن. لقد شهد المجتمع الخليجي خلال فترة زمنية وجيزة طفرة ازدهار شملت كل مناحي الحياة تحول معها المواطن إلى مستهلك أكثر منه منتجا والى مبذر تجاوزت مصاريفه مستوى دخله، وبسبب التأثر بالمظاهر والوجاهة ووسائل الترويج المبالغ فيها والتسهيلات البنكية المفرطة لجأ إلى الاستدانة من البنوك فبلغت ديون المواطنين الخليجيين مستويات عالية وصلت إلى حالة الخطر في بعض دول الخليج وهو ما شكل ضغطا كبيرا على الحكومات الخليجية، درجة ارتفاع الكثير من الأصوات تطالب هذه الحكومات بالعمل على تسديد ديون مواطنيها. فبسبب ثقافة الاستهلاك العالية والاعتماد على الدعم الحكومي لبعض الخدمات وعدم تقبل المواطن لأي تنازلات أو خفض للامتيازات المقدمة من قبل الحكومة والتي يعتبرها حقا أصيلا من حقوقه شكل ذلك ضغطا على الموازنات العامة الخليجية خاصة مع تراجع اسعار النفط، لذلك بات العمل على تبني سياسات توعوية واعتماد ثقافة الشفافية وإعداد المجتمع للقيام بمسئولياته ومنها تشجيع ثقافة الادخار وترشيد الإنفاق واستثمار الأموال المدخرة في أسواق المال والعقار وتوجيهها لقيام مشاريع تعزز نشاط السوق بدلا من تبديدها في مشتريات لا قيمة لها، باتت مهمة وواحدة من أهم السياسات التي يجب أن تتخذ لمواجهة آثار التراجع الحاد لأسعار النفط. وعلى المؤسسات الإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني أن تقوم بدور توعوي مؤثر في هذا الجانب، وأن تشجع المواطن الخليجي على التفاعل مع قضايا وطنه وحضور الندوات والمؤتمرات وورش العمل والمشاركة في المناقشات والحوارات التي تجري حول الشأن الوطني، والمبادرة في تقديم الأفكار والرؤى المحفزة التي من شأنها المساهمة في معالجة الأزمات الاقتصادية. فالوعي والثقافة المجتمعية العالية ومساهمات المواطن الفاعلة والمثمرة وقدرته على الاعتماد على نفسه في إدارة شئونه تشكل جميعها عامل حماية ونجاح في تطبيق خطط التنمية وسياسات التنويع.