نافق حنظلة

كنّا قد ذكرنا في مقالنا السابق عن الراشدين الذين كرهوا الشر بأبوابه وأحبوا الخير والصلاح بأصنافه، ووصلنا بذاك المعنى الى قدر كبير من الصعوبة في ذلك وبعدها لفتني هذا الحديث الشريف الذي يشرح ويبرر مستوى التفاوت في درجة القرب والبعد من الخير والشر وفي نصه: قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (1) على ذلك فإننا نكاد نلمس الصِّلة والحل بين الرشد القطعي والطبيعة البشرية، والرابط كما نراه أن المسلم ومن يرتقي الى درجة الإيمان يقع في الخطأ محققاً للفطرة البشرية ولكنه يقع كارهاً لذلك وإن أصاب خطأ، كما قد يقع في الابتعاد عن فعل الصالحات وهو محب لذلك ولكن تغلبه نفسه احيانا. كثيرة هي مداخل ومخارج هذه الحياة وكلما اقتربنا من اليقين علماً تفتحت أبواب المعارف التي لا تنتهي وأدخلتنا في دوامة البحث عن الحقيقة، إن كل الحقائق في هذا العالم الذي نعيش فيه هي انعكاس لحقيقة الله سبحانه وتعالى وان كل معرفة هي انبثاق من المعرفة بالله، وإلى أن نلتقي تحية.