ترامب يتعامل مع الاقتصاد كما لو أنه لعبة يتعامل دونالد ترامب المرشح الجمهوري المفترض لانتخابات الرئاسة الأمريكية مع الاقتصاد كما لو أنه لعبة، وبالتالي فهو يعتقد أنه مخول بالتدخل فيه بالطريقة التي تروق لنظرياته الغريبة، حتى لو أدى ذلك إلى حدوث موجة عارمة من الانتقادات لأفكاره، والتحذير من آثارها الكارثية على الدولار رمز الهيمنة الاقتصادية الأمريكية على العالم. فهو يهدد بفرض الضريبة على الشركات الأمريكية التي فتحت لها فروعا أو مصانع في الخارج وبالذات في الصين واليابان والمكسيك، متهما تلك الشركات بضعف الوطنية، وبتجاهل طالبي الوظائف من الأمريكيين الذين يعدهم بأنه سيكون أعظم رئيس للوظائف في تاريخ أمريكا، لكنه يتجاهل حقيقة أن شركاته وشركات ابنته إيفانكا فتحت هي الأخرى فروعا لها في الصين وفي بنغلادش وغيرهما. وهو في نفس الوقت الذي لا يجد فيه حلولا واقعية وجديدة للمديونية الأمريكية التي تقارب 19 تريليون دولار، منها ديون خارجية تقدر بحوالي 10 تريليونات دولار، فإنه يتعهد بسداد تلك المديونية، على مدار ثماني سنوات بمعدل 2.4 تريليون دولار سنويا - ما يعني أنه يعتقد أنه سيظل رئيسا لثماني سنوات - ما يتنافى مع التوقعات بارتفاع المديونية، وبغض النظر عن هوية الرئيس القادم، وبمعدل يزيد على تريليون دولار سنويا، نتيجة عجز الموازنة الأمريكية، وأنها ستزيد بحوالي 11 تريليون دولار على الأقل بسبب السياسات التي سيتبعها إن أصبح هو الرئيس. الأكثر غرابة الآلية التي سيسدد بها السيد ترامب المديونية الخارجية في حال لم يستجب الدائنون لطلبه بالتنازل عن جزء منها، من خلال توجه «إدارته» لطبع الدولارات لتسديدها، أي أنه سيلجأ إلى ما تقوم به الدول المفلسة في العادة، مما سيجعل الدولار - العملة التي يقوم عليها النظام النقدي العالمي الذي يضع ثقته بها، ويتجسد ذلك بالاستثمار في السندات الأمريكية - منبوذا من كل دول العالم، الأمر الذي سيؤدي للإطاحة بقيمته، وتجفيف مصادر الإيرادات للحكومة الأمريكية التي تعتمد على الاستثمارات العالمية في سنداتها، وإلحاق الضرر بالشركات الأمريكية التي يدعي سعيه لتعظيم مكانتها، فالدولار يمنحها مزايا تنافسية تفوق نظيراتها في الدول الأخرى تصديرا، واستيرادا، واقتراضا، واستقرار نقديا، وأسعار فائدة منخفضة، فإذا أقدم ترامب بالفعل على هذا التهديد «في حال تسلمه الرئاسة»، فإنه يكون بذلك قد أشهر البطاقة الحمراء بوجه الدولار نفسه، وطرده من التداول كعملة عالمية، كما يريد طرد المسلمين من أمريكا. هذا الدولار الذي سيجعل منه ترامب أضحوكة عالمية، هو الذي يتيح للولايات المتحدة الاستدانة دون حدود - ما يجعلها تعيش على حساب العالم الراضي والموافق على ذلك - وبأسعار فائدة منخفضة، ودون أن يتأثر تصنيفها الائتماني إلا نادرا، وهو أحد أهم أسباب رفاهيتها، والذي ساعدهاعلى الهيمنة على سوق السلع الأولية وفي مقدمتها النفط من خلال البترودولار، ومكنها من تجاوز آثار التخلي عن معيار الذهب في بداية سبعينيات القرن الماضي باعتباره عملة التداول الأولى للعالم، فحوالي 45% من معاملات الدول تتم بالدولار، كما أن 64% من احتياطيات البنوك المركزية العالمية بالدولار. إن وصفات ترامب الاقتصادية والمالية ليست أكثر من وقود لحرب عالمية يكون الدولار هو الخاسر الأكبر فيها، فتخيل لو أن الصين (احتياطياتها من النقد الأجنبي 3.19 تريليون دولار) واليابان (احتياطياتها الأجنبية 1.254 تريليون دولار)، قررتا الرد على سياسة ترامب الدولارية ضدهما بالتخلص معا من احتياطياتهما من الدولار، وساندتهما في ذلك الدول المنتجة للنفط بوقف تسعير نفطها بالدولار، فمن سيخسر عندها؟ الجميع، لكن الولايات المتحدة ستكون أكبرهم، لأنها ستفقد ثقة العالم بها وبدولارها (بعد ثلاث سنوات من الأزمة المالية العالمية خفضت وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد أند بورز» تصنيف ديون الحكومة الأمريكية مما أثار عاصفة هائلة من الهلع خوفا من تراجع العالم عن شراء سنداتها، لتخسر البورصة الأمريكية بسبب ذلك تريليون دولار)، وهو ما سيفتح الطريق لصعود عملات أخرى لتحل محل الفراغ الذي سيتركه ترجل الورقة الخضراء، وربما تكون الورقة الحمراء الصينية (اليوان) في مقدمتها، وهي التي تتوق فعلا لاعتلاء سدة الزعامة النقدية العالمية.