إهمال سابق مكلف

قال "غينار ميردال" الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل إن الاقتصاديين كانوا مشغولين على مدى عقود بالنمو مهما كانت التكلفة وبالتالي أهملوا دراسة المناخ وتأثيراته. لكن ميردال لم يكن متشائما اذ إن العالم مر بظروف سيئة سابقة وعالجها منها تأثيرات الزيادات السكانية الكبيرة وتوافر المواد الأولية والأمراض التي أصابت العالم بالإضافة إلى أزمات مالية اقتصادية متكررة كل عشر سنوات. من الأخطاء السابقة أن العالم اعتمد على الناتج المحلي الإجمالي لتقييم نجاح أو فشل الاقتصادات. كل ما كانت زيادة الناتج السنوية كبيرة، تحسنت أوضاع المجتمعات المادية. لا بد اليوم من ايجاد مؤشرات أخرى تأخذ بعين الاعتبار العوامل الإنسانية والمناخية والصحية والاجتماعية التي تعطي نتائج أخرى على صعيد النمو النوعي. الدول التي احترمت نموها هي التي وجدت نقل عام فاعلا حماية للتلوث وصحة الإنسان، كما التي غيرت طرق استهلاكها. هنالك حدود للنمو المادي المتواصل قبل أن تنفجر الأمور. الأمراض المعدية هي نتيجة للتصرفات والإهمالات الكبرى على مدى عقود. المهم اليوم أن انكار وجود تغير مناخي سلبي هو في غاية الخطورة ويظهر أن الذين ينكرون هذا الواقع أصبحوا أقلية ربما غير فاعلة في السياسات والقرارات الدولية. هنالك مصالح مادية تدفع نحو انكار وجود التلوث لتملأ جيوبها بالثروات على حساب صحة المواطنين. التغير المناخي لا يطول فقط سكان الأرض وفي الدول الصناعية، بل يضرب المحيطات وانتاج الأسماك كما يضرب مياه الشرب والهواء الذي نستنشقه. يؤثر التغير المناخي على سخونة الطقس ويوسع فجوة الدخل في المجتمعات. ما يحزن هو أن بعض نفايات الشمال ترمى في الجنوب. تنتج المحيطات نصف الأوكسجين الذي نستنشقه عالميا وتؤمن الطعام لمليارات البشر وتستوعب ربع الغاز الفحمي الذي ينتجه الاقتصاد العالمي. فكيف نرمي النفايات فيها ونبتسم؟ يقيم انتاج المحيطات السنوي بـ 2,5 ألف مليار دولار، وهو مجموع انتاج سلع وخدمات بالإضافة الى النشاطات السياحية والرياضية التي تترافق مع استمرارية مياهها العذبة. يضرب التلوث أيضا إنتاجية الأرض الزراعية وسلامة السلع والمواد التي تنتجها مما يؤثر سلبا على صحتنا وصحة أولادنا. لمحاربة التغير المناخي على المدى الطويل والتخفيف من التلوث، لابد من التعليم والتوعية خاصة في المدارس كي نبني مواطنين يفهمون بل يقيمون خطورة الأوضاع. التكنولوجيا وحدها لا تكفي بل يجب تغيير الذهنية وطريقة التفكير. طالما أن المواطن يهمل، "فالج لا تعالج" كما نقول بالعامية. أما الحفاظ على الثروات الأرضية والمائية عبر الاستثمار فيها للنظافة والانتاجية فهي مهمة جدا. لابد من حماية بعض الأرض والمياه ومنع المواطن من التصرف بها. الحفاظ على المناخ هو استثمار في المستقبل ولابد من القيام به للمصلحة العامة. من الضروري أيضا ربط المؤسسات الوطنية الجدية المهتمة بالمواضيع البيئية بعضها ببعض مع المؤسسات العالمية أي في الأمم المتحدة وأوروبا لتشكيل جبهة ضغط سياسية وإدارية على الحكومات للقيام بواجباتها.