مر العالم في الآونة الأخيرة بتجربة مختلفة انتقلت فيها موازين القوة والسيطرة على القرار من المستوى الحربي المتعلق بالقدرات العسكرية الخاصة بالتسلح والعتاد الى المستوى المعرفي والمتعلق بالقدرات العلمية في مجال الصحة ومدى السرعة في ايجاد لقاح او علاج للأوبئة والأمراض المستجدة، فكان فيروس كورونا وبالرغم من مساوئه العديدة ناقوس خطر كبير أعاد ترتيب أولوية الأمور لتعود الى نصابها الطبيعي ليصبح من جديد الأمن الصحي والقدرة على مكافحة الامراض والمخاطر الخارجية على رأس أولويات هرم الحاجات والاهداف البشرية، فشهدنا وعلى مدى شهور انتقال سلمي للموازنات والاموال من جانب موازنات التسلح وصناعة الموت إلى جانب الصحة واللقاحات وصناعة الحياة، وهنا فجأة وقفت الشعوب وحكامها للحظة امام الحقيقة الازلية، فالمعرفة هي كل شئ، وان تعرف يعني ان تكون قويا، فما هي إلا فترة قصيرة حتى تحولت الشركات التي تعمل على اكتشاف لقاح مضاد للكورونا الى شركات تتهافت عليها طلبات الشراء الشديدة الاهمية بل والمدرجة تحت بند الأمن القومي للشعوب. وهنا كان السؤال المهم، فما هي المعرفة؟ وما هو الاقتصاد المعرفي، وما هي مقوماته وكيف تستفيد منه الدول؟ أولا وقبل كل شيء فان المعرفة هي الإدراك والوعي وفهم الحقائق واكتساب المعلومات اما عن طريق العقل والتفكير الذاتي او عن طريق إجراء التجارب وتفسير نتائجها، أو حتى من خلال التأمل في طبيعة الأشياء والاطلاع على تجارب الآخرين ومعارفهم، فالمعرفة مرتبطة بالبديهة والبحث بهدف اكتشاف المجهول وتطوير العقل والذات. اما اقتصاد المعرفة وبشكل مباشر فهو نظام اقتصادي للاستهلاك والإنتاج يعتمد على المعرفة والعلوم أي انه ينطلق من رأس المال الفكري، حيث ان اعتماده على القدرات الفكرية والعلمية يكون أكبر من اعتماده على المدخلات المادية الاخرى من أموال او موارد طبيعية، وبالتالي فهو يعمل على زيادة التقدّم التقني والعلمي واستغلاله للوصول إلى تحسين الانتاج ورفع النمو الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل. وبالتالي فهو ينطلق من التعليم والمعرفة التي عادةً ما يطلق عليها اسم رأس المال البشري فيعتبرها أصولاً منتجة وقيما مضافة يمكن بيعها وتصديرها للاخرين، وهو الأمر الذي يؤدّي إلى تحقيق أرباح لاقتصاد الدولة ككل. اما اهم مقومات هذا الاقتصاد فيمكن تلخيصها كما يلي: اعتماد الدولة سياسات تشجيعية بل وتحفيزية تقوم على خلق ميزة تنافسية للاشخاص القادرين على التميز والابداع، وبالتالي فتح الطريق امامهم للحصول على ما يحتاجونه من مصادر وأدوات وذلك عن طريق إنشاء وتوفير بنية تحتية عملية وسهلة الاستعمال، صالحة ومتوافرة للجميع بشكل دائم وبأقل التكاليف، وهو الأمر الذي يخلق جيلا ذا قدرات معرفية قادرا على الحصول على المعلومات في الوقت والمكان المناسبين. كذلك فان تأسيس جمعيات ومؤسسات تهتم بالمتفوقين بل وتجذب المبدعين من دول اخرى ليقوموا بنقل معرفتهم وخبراتهم المتراكمة للباحثين الجدد هو امر حيوي واساسي لمجاراة التطور السريع الذي يحدث في العلوم والدول المتقدمة. اما بالحديث عن فوائد هذا الاقتصاد فهي تكمن وبشكل أساسي في الاستغلال الأفضل والامثل لجميع الموارد الاقتصادية المتاحة بل وخلق موارد جديدة للدخل لا تعتمد على استخدام الموارد الطبيعية المحدودة للدول، فبيع الفكرة والمعرفة في زمن التكنولوجيا اصبح اكثر قيمة واهمية من بيع منتج نهائي مهما كانت درجة جودته أو مجالات استخدامه، ولنا في شركات الفيسبوك وتويتر وغيرها خير مثال على ذلك. وأخيرا وفي رأيى الشخصي فان المعرفة والعلوم هي أساس كل عمل فكري أو حتى بدني نقوم به، فالقوة الحقيقية ما هي إلا معرفة افضل الطرق للقيام بالعمل المناسب والصحيح للحصول على افضل وأسرع النتائج، فالعلم نور يضئ الطرق المظلمة والمعرفة هي نصف النجاح، والاهتمام بالعمل الذاتي هو الشرط الاهم للحصول على افضل العوائد ومنع استغلال الاخرين للحقوق والمقدرات المختلفة للشعوب، وهنا اتذكر قصة اخبرني بها صديق تدور حول لص اجنبي سرق من رجل اعمال محلي مبلغا كبيرا من المال واخفاه في مكان سري لا يعرفه إلا هو، وبعد البحث والتحقيق استطاع رجل الأعمال اكتشاف السارق فأمسك به، ولكن وللأسف كان لا يعرف اللغة التي يتحدث بها هذا السارق الاجنبي، فقرر أن يحضر مترجما ليتفاهم عبره معه، وبعد عدة محاولات بائسة لمعرفة مكان النقود مل رجل الأعمال وقرر إعطاء اللص فرصة أخيرة، فقال للمترجم "قل لهذا اللص ان لم يعترف بالمكان الآن سأطلق عليه رصاصة واحدة ليموت امامي، فاما ان يعترف أو يموت"، وهنا شرح المترجم له ذلك، فما كان منه إلا ان اعترف بمكان المال كي يبقى حيا. وفجأة استدار المترجم نحو الرجل وقال "يقول لك إنك لن تستطيع أن تقتله ولذلك فهو لن يعترف لك بمكان النقود مهما حصل"، استفز هذا الكلام صاحب المال فاطلق رصاصته وقتل اللص ليكون عبرة للآخرين، ثم كافأ المترجم وذهب الى عمله، وبعد عدة أيام ذهب المترجم إلى مكان النقود الذي اخبره بها السارق وأخذها ليبدأ بها مشروعه الجديد.