مفاتيح نجاح المستقبل

هل استفادت المجتمعات الخليجية من عوائد النفط السخية خلال العقود الخمسة الماضية؟ هل وزعت الأموال بعدالة ومساواة، فأصاب الثراء وتحققت الرفاهية ووصلت مقومات وأسس الحياة العصرية إلى الجميع؟ أم أن الوفورات المالية والأعطيات والإكراميات والامتيازات وسخاء الحكومات... خصت بها فئة دون أخرى، وأدت إلى تدفق الأموال إلى جيوب القلة القليلة التي انتقلت بسرعة من الفاقة إلى الثراء، اتكاء على النفوذ وتداخل المصالح وضعف الرقابة والمحاسبة وخلل القوانين... فيما حرمت الشرائح الواسعة من ثراء النفط، وظلت تعاني من الرواتب الضعيفة، وغلاء المعيشة، والشعور بالحرمان والامتعاض والإحباط بسبب استشراء الفساد، وضغوطات أفراد أسرهم الذين يتطلعون ويطالبون بأن يعيشوا في بحبوحة ويستمتعون بحياة الرفاهية حالهم كحال أقرانهم الذين تغيرت حياتهم بشكل كبير؟ وإذا كان ذلك كذلك كما يعبر عنه المواطن الخليجي بوضوح وجرأة في وسائل التواصل، فلماذا يحمل إذن تبعات انخفاضات أسعار النفط في الأسواق العالمية، وارتفاع الإنفاق الحكومي، وانعكاسات جائحة كورونا، وإخفاق سياسات التنويع، وإهدار الأموال في مشاريع وخطط وبرامج وأعطيات وشراء ولاءات في الداخل والخارج لم تعد بمنافع على البلدان الخليجية... ولكنها تسببت في المزيد من انكماش الاقتصادات؟... نقاشات واسعة وحوارات عميقة تشهدها الساحة الخليجية هذه الأيام، لتقييم الواقع واستشراف مستقبل ما بعد النفط، تشمل تلك الحوارات والندوات المتخصصة والمحاضرات والبرامج ما حاولت أن تفصح عنه الأسئلة أعلاه، والمطالبة بالشراكة وصياغة عقد اجتماعي محدث على وقع ما تضمنته السياسات والقرارات الجديدة، التي تسعى إلى إعفاء أو التخفيف من أعباء ومسؤوليات الحكومات الخليجية التي التزمت بها تجاه مجتمعاتها على مدى خمسة عقود كدعم النفط والكهرباء والماء والإعفاء من الضرائب، وقد تتسع الدائرة مستقبلا لتشمل الصحة والتعليم وغيرها من الخدمات والمعاملات، أو تخفيض الرواتب على ضوء ما يخبئه المستقبل. في منتصف يونيو نظمت الجمعية الاقتصادية العمانية "نسختها الخامسة من المجلس الاقتصادي والذي استعرض إعادة التفاوض على العقد الاجتماعي في دول مجلس التعاون" واستضافت الدكتور نادر القباني، مدير الأبحاث في مركز بروكنجز الدوحة وزميل أول في برنامج الاقتصاد العالمي والتنمية في المعهد في واشنطن". الذي قال بأنه وعلى "المدى الطويل ستنفد احتياطيات النفط والغاز، إذ من المتوقع أن تنفد خلال 5 سنوات في البحرين و15 سنة لدى السلطنة، أما على المدى المتوسط فمن المتوقع أن يتراجع الطلب العالمي على النفط بسبب ارتفاع الطلب على الطاقة المتجددة، بينما على المدى القصير تتراجع الأصول المالية التي تراكمت على مدى عقود إذ يتم تآكل استثمارات بقيمة ألفي مليار دولار في صناديق الثروة السيادية، وقدر صندوق النقد الدولي أنه في حال لم تطبق دول مجلس التعاون الخليجي إصلاحات مالية واقتصادية جوهرية فسوف تستنفد ثروتها بحلول عام 2034م". فيما قال د. خالد العامري، رئيس مجلس إدارة الجمعية "إن الاقتصادات الخليجية اعتمدت بشكل كبير على عائدات النفط والغاز"، مضيفا بأن "الدول الخليجية تقدّم ريوعَ الموارد الطبيعية إلى مواطنيها من خلال ثلاث قنوات أساسية: قدرة الوصول إلى منافع وخدمات عامة سخيّة، وظائف في القطاع العام ذات رواتب عالية، عقود حكومية وتراخيص حصرية، حيث أدّى توجيه الريوع الاقتصادية من خلال هذه القنوات إلى تشوّهات في الأسواق أضعفت الجهود لتطوير قطاع خاصّ تنافسي قادر على توليد نموّ اقتصادي مستدام في مستقبل ما بعد الهيدروكربون". إذن على ضوء التحديات فإن الإصلاحات الشاملة والتنويع والشراكة والتعاون بين دول الخليج هي مفاتيح نجاح المستقبل.