تعاملاتنا المالية اليومية وجميع التبادلات التجارية والصناعية للشركات والأفراد، تقوم على مبدأ تجاري بسيط وهو دفع الثمن مقابل الحصول على السلعة او الخدمة، مبدأ بديهي ثابت برغم التغيرات الكثيرة والتطور العلمي المذهل الذي نقل طريقة التجارة الأولية القديمة والتي كانت تعتمد على الوجود المادي للبائع والمشتري والبضاعة في مكان واحد، الى طريقة حديثة لا مرئية تقوم على مبدأ الرغبة والقدرة الشرائية لدى المشتري والرغبة بالبيع لدى البائع واجتماعهم الوهمي غير المادي عبر أجهزة وحواسيب تنقل للآخر كل ما يريد كل طرف قوله، هذا التطور الكبير لم يقتصر على طرق البيع والعرض فحسب بل امتد ليشمل طرق الدفع والسداد، فباتت المنافسة بين الشركات لا تقف عند حدود الجودة والسعر بل طالت لتصل الى طريقة الدفع والسداد، فها هي احدى الشركات تقوم بحملة إعلانية ضخمة تقوم على مبدأ السداد المريح بالأقساط المستقبلية، وها هو المُورد الآخر يعرض حسابا ائتمانيا (سداد بوقت لاحق) لمدة تسعين يوما لزبائنه وعملائه وغيرهم الكثير والكثير، وهو نفسه الأمر الذي جعل من فكرة وجود الديون أو القروض حالة طبيعية لدى الأشخاص والأفراد بل وضرورة أساسية للتوسع لدى الشركات والمؤسسات، حتى أصبحت القدرة الائتمانية لكل شركة مقياسا تقاس به ملاءتها المالية بل ومدى ثقة الموردين بها، ووصل الأمر الى أن البعض اعتبرها شرطا أساسيا وضروريا للانتشار، كونها أحد أهم مقاييس توليد رأس المال والتوسع في الأسواق، فبدون المال والنقود لا يوجد مكاتب جديدة ولا بضائع للبيع، وهنا مربط الفرس، فالقدرة المالية هي أحد أهم بنود المؤسسات الناجحة العاملة وبدونها ستكون الشركة معرضة للسقوط والانهيار، وها هو التاريخ يحمل لنا حالات كثيرة وإفلاسات عديدة كانت أهم أسبابها سوء الإدارة وفشل المتابعة المالية، تلك الرقابة التي غالبا ما كنت أراها قلب الشركات النابض بالحياة وعقلها المُدبّر، وبالحديث عن الدول فهي كما الشركات غالبا ما تحتاج الى ديون وقروض تدفع عبرها مصاريفها ونفقاتها المختلفة، لتستمر عجلة العمل والإنتاج بها، فمعظم دول العالم وان كانت تمتلك النقد الا انها غالبا ما تلجأ للاقتراض، وهو ما جعل تنظيم هذه العملية مطلبا أساسيا للحكومات والشعوب، وهو أيضا الأمر الذي اثير مؤخرا بالإعلام الغربي حول ديون الولايات المُتحدة الأمريكية وحاجاتها للاقتراض، فبات سقف الدين الخاص بها اقرب الينا من سقوف منازلنا، وبتنا نتحدث عن احتمالات رفعه وسيناريوهات ابقائه على نفس مستوياته الحالية، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هو سقف الدين الأمريكي؟ ولماذا يثير القلق بشأن الاقتصاد الأكبر في العالم؟ ما هو مستوى الدين والعجز الأمريكي حتى الآن؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا بداية معرفة انه وبالرغم من إيرادات الولايات المتحدة الامريكية الضخمة والتي اقتربت من 23 تريليون في عام 2021 والتي يتم تحصيلها من الضرائب والرسوم وغيرها من موارد الدولة، الا أن هذه الدولة وعلى ارض الواقع تُنفق أكثر بكثير مما تحصل عليه من دخل وايراد وهو ما دفع مكتب الميزانية في الكونجرس الأمريكي الى رفع تقديراته لعجز موازنة العام 2023 بمقدار 130 مليار دولار حيث باتت التوقعات تشير الى عجز يبلغ 1.54 تريليون دولار للسنة المالية الحالية، وهو ما كان ولا زال أحد أهم أسباب لجوء الولايات المتحدة إلى الاقتراض وللاستدانة عبر عدة طرق أهمها هو ان تصدر أوراقا مالية (مثل السندات الحكومية) تقوم الدولة بسداد قيمتها في تاريخ استحقاقها مع مبالغ الفائدة المطلوبة منها، وهو الأمر الذي دفع الحكومات وأصحاب القرار في الماضي الى وضع سقف أعلى لقيمة الاقتراض المسموح بها وذلك بسبب خوفهم من عدم القدرة على كبح لجام الاستدانة وبالتالي التزايد السريع في ديون هذه الدولة العظمى، وهو الامر الذي قد يسبب انهيارها الاقتصادي والمالي، ولذلك فقد تم إقرار حد أقصى للاقتراض فبمجرد أن تصل الحكومة الأمريكية إلى هذا الحد الأقصى المسموح به للاقتراض ولتراكم الديون فإن وزارة الخزانة الأمريكية تتوقف عن إصدار المزيد من السندات بانتظار ان تقوم الجهات المختصة وهي الكونغرس الأمريكي بدراسة الحالة ومن ثم تُصدر قرارا رسميا برفع قيمة (الحد الأقصى للدين)، وهو ما يجعلنا نُعرف سقف الدين العام الأمريكي على أنه هذا الحد الأقصى للمبالغ الذي يمكن للحكومة الأمريكية اقتراضه او استدانته بهدف سداد التزاماتها ونفقاتها المالية المختلفة مثل مدفوعات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. ونفقات الجيش والموظفين الحكوميين أو غيرها من النفقات. أما في أيامنا هذه وبعد أن وصل حجم الدين العام الأمريكي إلى مستوى قياسي متجاوزا 31.4 تريليون دولار للمرة الأولى في التاريخ عبر ديون مملوكة للأفراد تُقدر قيمتها بـ 24 تريليون دولار، مقابل ديون أمريكية للحكومات الأجنبية تصل إلى ما يقارب سبعة تريليونات دولار فقد وصلت الديون الامريكية الى حدود سقفها العلوية وهو ما يجعل الكونغرس يقف وجها لوجه أمام تحد جديد في زيادة سقف الدين علما بأن سقف الدين قد تم رفعه حوالي 78 مرة منذ عام 1960 حيث تم ذلك من قبل الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن فكرة وجود هذه السقوف للاقتراض والاقراض وبالرغم من كونها متحركة ومتغيرة الا أنها ضرورة أساسية للشفافية والافصاح، وهي وبرغم صعوبتها الا انها حق أساسي يتيح للدول معرفة حجم التزامات حكوماتها وديونها، وهو في النهاية يصب في صالح العمل والإنتاج العام، وهنا أستذكر مقولة "كينيث روجوف" الاقتصادي الأمريكي الذي يقول "نحن الأمريكيين لسنا على وشك التوقف عن الاقتراض طالما أنهم يقدمون لنا المال مقابل لا شيء".