التحكيم التجاري الدولي في عصر العولمة

يعد التحكيم في الوقت الحاضر الأسلوب الغالب للفصل في المنازعات التي تثور بين الأفراد والمؤسسات، ولحماية التعاملات التجارية التي يقوم بها رعايا أي من الدول في الدولة الأخرى وإزالة العقبات التي يضعها قانون كل دولة في وجه تدفق الاستثمارات والحركة التجارية على وجه العموم، حيث يكاد لا يبرم اليوم عقد تجاري دولي دون أن يتضمن شرطاً تحكيمياً يقضي بأن يفصل في كل نزاع ينشأ عن هذا العقد بطريق التحكيم الدولي، أي على يد هيئة تحكيم، تكون إما معينة من قبل أطراف النزاع أو عن طريق اللجوء إلى إحدى مؤسسات التحكيم التجاري الدولي، كغرفة التجارة الدولية، أو وفق نظام تحكيم دولي معين. ويقصد بالتحكيم التجاري الدولي بأنه "مصطلح قانوني يعمل على فض المنازعات التجارية بين دولة وأخرى أو بين دولة أو شركة تجارية دولية من قبل محكمين مختصين وبعيدا عن قضاء الدولة ". فلم يعد التحكيم التجاري الدولي سلعة يجب استظهار محاسنها بل أصبح ضرورة يفرضها واقع التجارة الدولية ويعد وسيلة فاعلة لتفادي وحسم المنازعات الناشئة عن عقود التجارة الدولية والاستثمار والعقود الدولية طويلة المدة التي تتعلق بالتجارة والصناعة والاستثمار والخدمات وعقود نقل التكنولوجيا وعقود التشييد والبناء والجوانب المالية المتعلقة بالملكية الفكرية… إلخ. وللتحكيم التجاري أهمية كبيرة فى الحياة الاقتصادية بين الشركات الاستثمارية والأفراد، إذ يمكن من بند اللجوء إلى التحكيم قبل اللجوء إلى التقاضي في أي عقد تجاري أو صناعي أو عقد من العقود العقارية مثل البيع أو الإيجار أو الرهن. وتأتى أهمية أخرى للتحكيم تتمثل في كونه يساعد بشكل أساسي في انتعاش الحياة التجارية وتشجيع المستثمر على الدخول في استثمارات كبيرة وفي علاقات تجارية واسعة دون الخوف من مجرد ضياع الحقوق أو إطالة أمد التقاضي إذا حدثت منازعة بشأن عملية تجارية. وهناك مميزات عديدة للتحكيم التجاري الدولي نذكر منها: خدمة مصالح الدولة في عدم تكدس القضايا إلى جانب مسايرة الأنظمة الدولية الحديثة، قلة التكاليف مع سرعة الفصل فى المنازعات، سرية المنازعات ثم حرية اختيار المحكمين. ومن الجدير بالذكر أنه وعلى الرغم من كل ما سبق من مميزات للتحكيم، إلا أن أداء التحكيم التجاري لوظيفته مرهون بالبيئة وقوانين التحكيم المحلية التي تحكم أداء عمل المحكمين. فكلما كان دور القانون مقصوراً على حماية حقوق الأطراف دون تدخل في إرادتهم، كان التحكيم فاعلا وفعالا في أدائه وظيفته. وختاماً، يجب أن تكون هناك آلية للخروج من جمود النصوص التشريعية والانسجام بشكل أكبر مع مـا هـو مستجد على الصعيد الدولي بحيث تتاح الفرصة لنصوص المعاهدات للانطباق علـى العلاقـات التجارية الدولية، من خلال النص في هذه التشريعات مع ضرورة الاستعانة بهـذه المعاهـدات واللجوء إليها لحل المنازعات التجارية الدولية في المستقبل.