استقلالية المصرف المركزي

المصارف المركزية مهمة. سياساتها تعطي نتائج ايجابية اذا أحسن استعمالها. لكن السياسة النقدية وحدها لا تكفي ولا بد من سياسات مكملة مالية وهيكلية وقانونية ومؤسساتية وغيرها. معظم الدول أعطت الاستقلالية للمصارف المركزية كي لا يتأثر المسؤولون عنها بالتطورات السياسية ويعالجون الأوضاع بدقة ومنطق. أول مصرف مركزي في العالم كان السويدي الذي تأسس في سنة 1668 وتبعه الانجليزي في سنة 1694 والفرنسي في 1800. أهم مصرف مركزي هو الأميركي الذي تأسس في 1914. يقول قانون «هامفري – هوكينز» الصادر في 1978 أن على المصرف المركزي الفيدرالي «أن يعمل ما يلزم لتخفيض البطالة، لتحقيق استقرار الأسعار كما مستوى فوائد طويلة الأمد معتدلة». نسبة التضخم المقبولة هي 2% دون أن تحدد نسبة البطالة لصعوبة ذلك. كيفية الوصول الى هذه الأهداف تبقى مسؤولية المصرف ولا يتعاطى بها المشرع. الأهداف كبيرة وهنا تكمن ضرورة التنسيق مع السياسات الأخرى. ما هو دور المصرف المركزي؟ له دوران نقدي ومالي. الأول يعني تحريك الفوائد لتوجيه الاقتصاد نحو الاستقرار. ترفع الفائدة عندما تكون هنالك توقعات تضخمية تضر بالبلد وبالقوة الشرائية. تخفض الفوائد لتشجيع الاستثمارات وتخفيض البطالة وهذا مهم. في لبنان، قرر المصرف المركزي منذ بداية التسعينات ربط الليرة بالدولار وهو قادر اليوم على الدفاع عن سعر الصرف. تم الربط بسبب التجارب العملية المؤذية التي تمت في الثمانينات وأنتجت سقوطا مدويا لليرة تجاه النقد الأجنبي. سقوط الليرة ضرب القدرة الشرائية للبنانيين وساهم في دفع المواطنين الى الهجرة. مشكلة الربط النقدي هي أن الخروج منه صعب ويتطلب أقله حصول فترة طويلة من الاستقرار. فيما يخص الدور النقدي اللبناني، لقد ربطناه بالسياسة النقدية للمصرف المركزي الأميركي الذي يتمتع بالخبرة والحكمة والشفافية والكثير من المسؤولية. من مساوئ الربط هو انه يصبح مضرا عندما تكون الأوضاع الاقتصادية في لبنان مختلفة أو معاكسة للأوضاع في الولايات المتحدة وهذا ما يحصل أحيانا. هنالك سياسات أسعار صرف مختلفة عالميا والسياسة الفضلى هي السعر الحر كما كان الحال في لبنان حتى سنة 1975 وكما هو الحال في الدول الصناعية. أما الدور الثاني للمصرف المركزي فهو المالي العام الذي يعني التزام المصرف بتحقيق الاستقرار المالي في الأسواق من مصرفية وبورصة وغيرها. يلعب مصرف لبنان هذا الدور جيدا عبر الرقابة المصرفية وعبر الاجراءات والقرارات التي يأخذها دوريا لتأمين استقرار الأسواق. يحاول المصرف المركزي تطوير الأسواق المالية وتنويعها بدءا من بورصة بيروت إلى غيرها من الأسواق المشتقة والفرعية، لكن نسبة النجاح ما زالت خجولة. أما الدور المكمل فهو دور اقراض المصارف كحل أخير أي عندما لا يجد المصرف من يقرضه في السوق المالية فيلجأ الى المصرف المركزي للانقاذ. تفضل المصارف المركزية أن تقترض المصارف من بعضها البعض لإحياء السوق المالية ولا تحبذ أن تقوم هي مباشرة بالاقراض. استقلالية المصرف المركزي هي الضمانة لحسن العمل والتنفيذ.