عوامل الإنتاج.. اقتصاد حقيقي

المجتمعات المختلفة والشعوب المنتشرة في بقاع هذه الارض تعيش وتعمل بشكل دائم ومستمر، وهي عادة ما يتم تصنيفها بناء على العديد من العوامل والمعطيات، فمنها عالم البيولوجيا الذي يبني تصنيفاته على اصل العرق، فيقول هذه شعوب من العرق الاصفر، وتلك من العرق الأبيض مثلا، ومنها عالم التاريخ والاجتماع الذي ينظر للدول فيقول هذه شعوب قديمة وتلك شعوب حديثة، ومنها كذلك البعض الاخر الذي ينظر للموقع فيُميّز بين الدول ويقول شعوب دول المشرق ومجتمعات الدول الغربية وغيرها الكثير والكثير من التصنيفات المختلفة، والتي عادة ما تتفاوت حسب المهنة والتخصص والنظرة بل والهدف من التصنيف نفسه، اما بالحديث عن وجهة نظر الاقتصاد، فالنظرة هنا تختلف والتصنيف للمجتمعات لا يكون بناء على صفتاهم الجسمانية او حتى النفسية بل يكون بناء على سلوكهم وادائهم الإنتاجي، وهنا يقول الاقتصادي كما لم يقل غيره فينظر للمجتمعات على أساس العمل والانتاج فيقول هذا مجتمع منتج وذلك مجتمع استهلاكي، وهو بذلك يختلف عن الاخرين فهو في الحقيقة ينظر لنتائج اعمال المجتمعات وليس الى المجتمعات نفسها، وهو ما يطرح سؤالا مهما واساسيا، فما الانتاج وما عوامله الاساسية؟ وكيف ومتى يكون المجتمع منتجا؟ أولا ومن الناحية العامة وقبل كل شيء فإنه يمكن تعريف الإنتاج على انه عبارة عن مجموعة من العمليات التي تساعد على تحويل المدخلات من افكار ومواد خام او سلع غير مكتملة التصنيع إلى مخرجات نهائية تظهر بشكل سلع كاملة ومنتجات قابلة للاستخدام وحتى الى خدمات جاهزة للتقديم، هذا ويُمكن تعريف الإنتاج بشكل مختصر بأنه عملية تصنيع السلع والأشياء بالاعتماد على العوامل المختلفة اللازمة لذلك، والتي يأتي على رأسها توافر المواد الخام بالإضافة لغيرها من عناصر الانتاج التي تختلف بحسب كل صناعة، وهنا نذهب إلى النقطة الاهم فما هي عناصر الانتاج وكيف يكون المجتمع منتجا؟ عناصر الإنتاج وبناء للنظرة الاقتصادية الكلاسيكية هي عبارة عن أربع نقاط أساسية تتمثل أولا في عنصر الأرض أو ما يمكن أن نطلق عليه المصدر الأساسي للموارد الطبيعية المختلفة مثل المواد الخام ومصادر الطاقة وغيرها الكثير، وثانيا في عنصر العمل أو القدرات الجسدية والعقلية التي يستخدمها العاملين والمنظمين للعمل والإنتاج، ثالثا هو عنصر رأس المال ونقصد به الموال التي يحتاجها أي مشروع لتوفير مستلزماته المختلفة من الأصول مثل الماكينات والآلات والأدوات وصولا الى المصانع التي تستخدم في العملية الإنتاجية نفسها وأخيرا العنصر الرابع وهو التنظيم والإدارة والذي غالبا ما يتم عبر رواد الاعمال او القائمين عليه والذين يقومون بخلط العناصر الثلاثة السابقة معا مستخدمين الأفكار والبحوث ووسائل التكنولوجيا المتاحة لهم بهدف تنظيم وإدارة العملية الإنتاجية التي تقوم بخلق السلع والخدمات التي تشبع حاجات ورغبات الناس والمستهلكين. هذا وتجدر الإشارة هنا الى ان عناصر الإنتاج نفسها قد تختلف من حيث الأهمية من صناعة الى أخرى ومن عصر الى اخر، فإنتاج السيارات يحتاج أولا وقبل كل شيء للمواد الخام اما التنقيب عن الذهب فيحتاج للأيدي العاملة والمعدات وبالحديث عن الزراعة تبقى الأرض هي العنصر الأهم الذي لا يُمكن الاستغناء عنه وهكذا وكما ان لكل مقام مقال فلكل صناعة عناصر وأولويات. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبرغم ان عوامل الانتاج التقليدية ما زالت هي عوامل الإنتاج الأساسية الا انه وبعد التطور التكنولوجي الاخير وبعد التغير العام في منهجية العمل الإنتاجي فقد بات أيضا وفي مجتمعاتنا الحديثة التأثير الكبير والاثر الهام للفكرة وهي التي باتت تشغل الجزء الأكبر من الاستثمار مقابل تكاليف اقل للأصول والمصانع، فها هي فكرة الفيسبوك وتويتر وغيرهما من البرامج والخدمات تقفز لتحتل الصدارة في أسعار الشركات والأسماء التجارية وها هي المصانع العملاقة مثل مصانع السيارات والطائرات تعود لتصبح صناعات تقليدية لا تظهر على أولويات المستثمرين، فالاقتصاد الحديث اصبح يعطي القيمة للعوائد المتوقع تحقيقها اكثر من الاستثمار المطلوب، والمستثمرون اتجهت أنظارهم لفترة استرداد الاستثمار اكثر من المبالغ التي يجب استثمارها في البناء والتصنيع، وهو ما جعل الفكرة الاستثمارية الحديثة تقوم على مبدأ العوائد وليس المدخلات وهي الفكرة التي عزّزها انتشار البنوك والمصارف وسهولة الحصول على التمويل بناء لدراسات جدوى حقيقية ومُجدية وهو ما جعل كثيرا من الناس يتحولون وبفضل فكرة صغيرة من مجرد شباب حالم الى مجموعة من اغنى اغنياء العالم ولنا في «مارك زوكربيرغ» وفكرة «الفيسبوك « خير مثال، وهنا أتذكر مقولة «توماس هكسلي» عالم الاحياء الانجليزي الشهير حين قال «الهدف النهائي للحياة هو الفعل وليس العلم، فالعلم بلا عمل لا يساوي شيئاً، نحن نتعلم لكي نعمل».