"التجارة والإمبراطورية في مسقط وزنجبار" 2/3

يشير الباحث إلى أن الموقع الاستراتيجي لمنطقة الخليج العربي وروابطها التاريخية والسياسية والتجارية مع المناطق والمدن والموانئ المطلة على المحيط الهندي وشرق إفريقيا، وضعها في مركز الصراع بين القوى الأجنبية والمحلية على السواء، فكانت لها تأثيراتها على الازدهار أو الانكماش الاقتصادي وانتقالهما من موقع إلى آخر، وهو ما يفسر ازدهار التجارة البحرية منذ القدم، إذ "ترجع الحفريات الأثرية الحديثة أصول أثر البحرية على عمان إلى الألف السادس قبل الميلاد..."، حيث "لعبت الموانئ العمانية، دورا تجاريا وسياسيا متذبذبا ومتقلبا على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي حسبما كانت تمليه الظروف السياسية لعمان ومدى تفاعلها مع المؤثرات الداخلية والخارجية..."، فالتجارة البحرية كما يرى الباحث، "تنشي جسرا بين الحدود الجغرافية والثقافية وتجتاز الشبكات التجارية القائمة والحدود السياسية". ويمضي في عرضه وتقديمه لدلالات ومؤشرات ما توفر له من مصادر تشير إلى أن "العمانيين ورثوا نظاما تجاريا سائدا لدى الساسانيين قبل الاسلام، والممتد من الساحل الجنوبي للجزيرة العربية إلى ساحل الخليج وشرقا على طول ساحل مكران إلى الهند، وقاموا في الفترة الاسلامية المبكرة في القرن السابع الميلادي بدور نشط في التوسع العام للحركة التجارية في المحيط الهندي من مينائهم التجاري العالمي في صحار، وبحلول منتصف القرن التاسع، ظهرت مجتمعات تجارية عمانية في البصرة، وسيراف، ودايبول وعدن في حين نشط التجار المقيمون في الموانئ العمانية في تجارتهم ليس مع تجار شرق أفريقيا والهند فحسب بل مع الآخرين بعيدا عن مدينة كانتون في الصين". ويعرض الدكتور محمد لتفسيرات مختلفة بشأن انتقال أو توسع "التجارة العمانية" لتشمل مناطق شرق إفريقيا، فهي تأتي في إطار "سلسلة معقدة من الظروف الجغرافية والتطورات التاريخية والاعتبارات الدينية والعوامل الاقتصادية. ومن بين هذه العوامل - كما سيوضح موضوع هذه الدراسة - فإن الوضع الاقتصادي والسياسي لعمان علاوة على التورط المتزايد لدول غرب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في شؤون المحيط الهندي لعب الدور المحوري"، على عكس ما تداوله المؤلفات والآراء التاريخية التي تفسر وتربط "بلوغ تجارة شرق أفريقيا إلى أوجها في أواخر عقد 1870 وأوائل عقد 1880 "ب "سياسات تتسم ببعد النظر للتجار الزنجباريين أو حكام مسقط ونتيجة لسياسة أفريقية نشطة تبعها تجار عمان أو القادة السياسيون..."، والتي تنفيها قراءات ورؤية مؤلف هذا الكتاب. يستعيد الدكتور محمد رضا أول هجرة موثقة للعمانيين إلى مناطق شرق إفريقيا ودوافعها وذلك عندما "عجز حكام بني الجلندى في المنطقة الداخلية عن مقاومة جيوش الحجاج بن يوسف الثقفي، والي العراق في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في الفترة ما من سنة 700إلى 705، فهربوا إلى شرق إفريقيا "بلاد الزنج"، حيث تفيد المصادر بأنها كانت هجرة ضخمة لأكثر من مجموعة من الملتزمين أو المنشقين"، ويرى الباحث، في هذا الحدث مؤشرا لا يمكن تجاهله عن وجود علاقات وارتباطات تسبقه، فما "كان لحكام عمان، سليمان وسعيد ابني الجلندى، ليهربا بعائلاتهما ومؤيديهما وأتباعهما إلى بلد وأرض خالية من الوجود العماني لا يجدون فيها الضمان والأمن...". "يتبع".