الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة، كل منهما يُحرك المجتمع ويرسم له حدودا ومناطق يتحرك من خلالها لتحقيق أهدافه العامة وأهداف أفراده الشخصية ضمن الأطر العامة المسموح بها، هما علمان منفصلان، لكل منهما حيثياته وقواعده العامة وهما وان اتفقا على بعض المبادئ الأساسية الا أنهما يسيران في مسارين منفصلين، ولكن وبالرغم من ذلك فإنه يجب ان نعرف ان الفصل الكامل بينهما قد يكون عملية صعبة جدا إن لم تكُن مستحيلة، فهُما ومن حيث المبدأ علمان متداخلان يرسم كل منهما خطوط الاخر العريضة والتي تتقاطع عبر نقاطها معظم (ان لم يكن كل) التفاصيل الصغيرة والكبيرة، وهما أيضا علمان يعتمدان على كثير من الثوابت المشتركة والتي غالبا ما تكون نابعة من علم الاجتماع الإنساني، وهنا تجدر الإشارة الى أن معظم المحللين يعتقدون أنه يُمكن مراقبة الوضع العام الاقتصادي لأي بلد بل والتحكم فيه وتنظيمه من خلال مجموعة من السياسات الاقتصادية السليمة والمناسبة لأوضاع وظروف هذا البلد، وهو ما يجعل من هذه السياسات الغاية الأولى والهدف المثالي لكل القائمين على الدول والمجتمعات والذين يسعون لتطوير دولتهم او حتى الحفاظ عليها من التقلبات والصراعات الاقتصادية الكُبرى وما تتركه من آثار على مواطنيها أو بالأحرى على مقدراتهم وثرواتهم المالية. فالاقتصاد وبشكل عام علم مرتبط بالناس ولذلك فإننا غالبت ما نجده ينطلق في أي مجتمع عبر سلسلة من الإجراءات والتنظيمات غالبا ما نُطلق عليها اسم "سياسات اقتصادية" وهي سياسات متنوعة تتقاسم هموم المستثمرين وتعمل جاهدة لتحقيق أحلام المستهلكين، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هذه السياسات الاقتصادية للدول؟ وما أنواعها؟ وكيف يتم تطبيقها؟ وما أهم الأمثلة عليها؟ بداية وبشكل عام وبسيط فإنه يُمكننا تعريف السياسات الاقتصادية على أنها مجموعة من الإجراءات والضوابط والاليات التي تهدف الى التحكم والتأثير على الظروف والمُعطيات الاقتصادية العامة للدول وعلى السلوكيات والتصرفات المالية والاستثمارية الخاصة بالمجتمع، وهي غالبا ما تكون قوانين وارشادات يتم وضعها ومتابعة تنفيذها وحتى تحمُّل مسؤوليتها من قِبل الحكومة أو من قِبل وزارة المالية ومن أهم الأمثلة على ذلك السياسات والقرارات المُتعلقة بالضرائب أو الفوائد البنكية أو حتى موازنات الانفاق الحكومي العام وفوائضه، ونظرا لتشعب هذه السياسات وتنوعها الكبير فقد كان لا بد من تقسيمها الى عدة أقسام نتحدث فيها هنا عن نوعين أساسيين هما: السياسات المالية: وهي باختصار السياسات العامة المتعلقة بالتوازن بين الإيرادات الحكومية المتنوعة والتي يتم تحصيلها ودخولها في خزينة الدولة (مثل الضرائب وغيرها من مصادر الدخل) وبين نفقات الدولة العامة ومصروفاتها المُتنوعة والمُرتبطة بالمشروعات المختلفة لهذه الدولة (مثل الأجور والرواتب وغيرها من المصروفات) وبالتالي فإنها تشير وبشكل مباشر إلى خطة الحكومة في فرض وتحصيل الضرائب وتسديد النفقات والعمليات المالية المختلفة، وذلك غالبا ما يكون بهدف أساسي وحيوي وهو أولا تحقيق معدلات نمو اقتصادي مناسبة ثم تحقيق الأهداف الفرعية الأخرى الخاصة بالاقتصاد والتي غالبا ما تكون سياسات اقتصادية أخرى يتم إقرارها وتنفيذها عبر وزارة المالية ومن أهم أمثلتها تحديد معدلات الضرائب ونسب الرسوم الجمركية وقرارات الإنفاق الحكومي وموازناتها العامة. السياسات النقدية: وهي عبارة عن الإجراءات والضوابط التي يتم وضعها وتطبيقها بشكل أساسي بحيث تهدف وتهتم بشكل مباشر الى تنظيم العرض النقدي ومراقبة حركة تدفق الأموال دخولا وخروجا في الاقتصاد المحلي وهي بالتالي خطة تُقررها وتُنفذها المؤسسات المالية الكبرى في الدول والتي غالبا ما تتم عبر البنك المركزي وذلك بهدف متابعة وإدارة حركة تدفق الائتمان والنقد في اقتصاد الدولة نفسها، وهي ونظرا لسريتها واهميتها الكبيرة فإنها غالبا ما تتم عبر المصارف المركزية وبشكل حصري وذلك بهدف تحقيق ما يُسمى بالاستقرار النقدي للدولة، ومن أهم أمثلتها تحديد معدلات أسعار الفائدة في البنوك وكذلك تحديد شروط وسقوف نسب الائتمان وهما يشكلان سوية مجموعة من أهم أدوات السياسة النقدية لأي دولة وخير مثال على ذلك كان ما قام به البنك الفيدرالي الأمريكي مؤخرا من رفع لمعدلات الفائدة البنكية بهدف السيطرة على التضخم وبالتالي حماية المستهلك والمنتج المحلي. هذا ومما هو جدير بالذكر ان الكثير من الاقتصاديين والباحثين يعتبرون أنه من المهم جدا ان تتم عملية التغيير والتحكم في هذه السياسات عن طريق مجموعة من الخبراء المعنيين بمتابعة تأثيرات ونتائج أي تغيير أو تعديل قد يطرأ عليها وهو ما شاهدناه جليا في معظم دول العالم وخاصة في أوروبا وامريكا بعد تطبيق سياسات التيسير الكمي بها. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي يُمكننا القول بأن السياسات العامة للدول قد تكون من أهم العوامل المؤثرة على الاقتصاد بل حتى والجاذبة للمستثمرين وهي وبالرغم من أهميتها ودورها الكبير الا أنها تُعتبر سلاح ذو حدين فهذه السياسات سواء أكانت مالية أو نقدية إلا أنها تقف دائما امام مفترق مهم من الطرق تختار فيه بين أهم أولوياتها وبين رغبات شعوبها ومستثمريها، ولذلك فإنها وفي معظم الأحيان تُفاضل بين المصلحة العامة للدولة وبين الضغط الممكن حصوله على المستهلكين والافراد، وهي وبالرغم من هذا التناقض أو الصراع الخفي الا أنها تبقى عاملا أساسيا في بناء منظومة اقتصادية قادرة على المضي قدما وحفظ حقوق الشعوب ومقدراتها المالية للسنوات والاجيال القادمة ولذلك فإن التوازن والاعتدال في إقرار وتطبيق أي نوع من السياسات قد يكون مصدرا مهما للتصرف في كثير من الاحيان، وهنا أتذكر مقولة الاقتصادي الشهير "آدم سميث" حين قال وبكلمات مختصرة ولكنها شاملة ومهمة "الميزانية الجيدة الوحيدة هي الميزانية المتوازنة".