يعلم كل من يتقدم لاستضافة حدث رياضي كبير، سواء فاز أو لم يفز، أنه يرسل إشارة تنم عن انفتاحه الاقتصادي، فالمعنى الكامن من استضافة أحداث كالألعاب الأولمبية أو كأس العالم لكرة القدم، رغبة المستضيف بإحداث نقلة اقتصادية واجتماعية وثقافية كبرى، أو التمهيد لها بهذه الاستضافة، وبما يجسد روح العولمة بمضمونها وشكلها وهدفها على قاعدة «رياضة» بلا قيود في عالم بلا حدود. ولذلك يجري الربط بين استضافة أحداث رياضية كبرى وبين الانفتاح الاقتصادي وتحرير التجارة للبلد المستضيف، فبحسب مجلة "التمويل والتنمية" فقد انضمت إيطاليا للأمم المتحدة وجعلت عملتها قابلة للتحويل وبدأت مفاوضات معاهدة روما لإقامة الجماعة الأوروبية، بعد منح روما في العام 1955 حق تنظيم الألعاب الأولمبية، وفي عام 1986 وبعد منح برشلونة حق استضافة الألعاب الأولمبية انضمت إسبانيا للاتحاد الأوروبي، وفي عام 2001 وبعد إعلان استضافة بكين للأولمبياد، أنهت الصين مفاوضات انضمامها لمنظمة التجارة العالمية بنجاح، لتؤكد بتلك الاستضافة التزامها بتحرير التجارة رسميا. ويبدو أن إرسال الدول إشارات اقتصادية وسياسية أمر مألوف عند استضافتها للأحداث الرياضية الكبرى، كالمكسيك مثلا، التي نظمت في العام 1970 كأس العالم لكرة القدم لأول مرة خارج قارتي أوروبا وأمريكا الجنوبية وكانت تهدف للفت انتباه الجار الأمريكي إلى إمكانياتها الاقتصادية، واستقرارها السياسي، وسعيها للانفتاح الاقتصادي، الذي تأكد مع استضافتها الثانية لكأس العالم في العام 1986 بتحرير تجارتها، وانضمامها لمنظمة التجارة العالمية (الجات في حينه)، كانت بمثابة التزام بإعادة بناء اقتصادها، وتخفيف انقسامات الفصل العنصري، ولإبراز الهوية القومية الجديدة لها، وهو ما ينطبق على البرازيل التي نظمت كأس العالم في العام 2014 لتكشف عن ولادة عملاق اقتصادي يحتل موقعه بعد تحرير تجارته بين أكبر عشرة اقتصاديات في العالم، لكن تنظيمها للألعاب الأولمبية في العام 2016، سلط الضوء على تفاصيل العملية الاقتصادية فيها، والفساد الذي تعاني منه نخبها السياسية والاقتصادية، لأن للانفتاح على الاقتصاد العالمي ضريبة تتمثل بمزيد من الشفافية والحوكمة الرشيدة. لكن ماذا تستفيد الاقتصاديات الليبرالية من تنظيم هكذا أحداث رياضية، كالولايات المتحدة التي استضافت كأس العالم واستضافت الألعاب الأولمبية 8 مرات بين صيفية وشتوية، وبريطانيا وكندا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان؟ تأكيد السمعة وإبراز الصورة الذهنية التي قد تتراجع بمرور الوقت، وللدفع نحو المضي قدما بتحرير التجارة والاقتصاد والخصخصة، أي لإظهار استمرار نهجها الاقتصادي القائم على الانفتاح، وعلى دور القطاع الخاص الذي يتصدى للتنظيم، ولتسويق نموذجها الاقتصادي والثقافي. ومع أن بعض الاقتصاديين يشكك بقيمة عائد هذه الأحداث الرياضية الضخمة على الاقتصاد، بحجة أن تكاليف استضافتها (بما في ذلك التجاوزات في التكاليف، وسوء استخدام المرافق والمنشآت بعد انتهاء الحدث، والكلفة المرتفعة لصيانتها) تتجاوز المنافع الاقتصادية منها، لكن بلا شك وكما جاء في كتاب اقتصاديات كرة القدم، فإن الاستضافة لن تجعل البلد المستضيف غنيا لكنها تجعله سعيدا، ويفترض أن تعوض المنافع طويلة الأجل التكاليف المرتفعة. استضافة حدث رياضي كبير هي بمثابة إعلان صريح بأن المستضيف في طريقه لأن يصبح عضوا فاعلا في المجتمع الدولي، ويبدو أن على من يرغب في الظهور على الساحة العالمية، التقدم بعرض لاستضافة حدث رياضي ضخم.