فشلت الدول العربية في مواجهة الفقر بسبب السياسات الاقتصادية الريعية المجحفة والتي غاب عنها البعد الاجتماعي الذي يخص حياة المواطن ومآربه حتى صارت برامج القضاء على الفقر جوفاء بدون مضمون، بل عنوان لإعادة توزيع الظلم الاجتماعي بدلا من العدالة. كما أن المؤسسات الدولية الباحثة عن مصالحها في إعطاء القروض للدول وتسييجها ببرامج تقشف شكلت محور تواطؤ في معادلة الفقر العربية.
وفي ذات النطاق، ساد عقم فكري وإبداعي لمدة عقود على العقل العربي بسبب وجود تعليم ضعيف وإعلام محلي استهلاكي يسفه الحياة وينشر البلادة والتفاهة وغياب سياسة ثقافية تشجع على الابتكار وقوة الاقتراح، مما جعل الحلول الاقتصادية نتاج حالة عامة من الجمود الفكري والتبعية العمياء لآخر مع عدم وجود مناخ ديمقراطي قادر على احتواء جميع الفصائل المجتمعية، إقامة حوار إستراتيجي مجتمعي شامل وإشراك المواطن في صنع القرار واتخاذه.
انطلاقا من هذا التشخيص، استثمر الفقر في الدول العربية عن طريق تفشي الفساد وغياب النزاهة في جميع مستويات الدولة مع عجز السياسات التنموية عن تحقيق طفرة نوعية في الحياة اليومية للمواطنين، خاصة وأن مداخيل الدول العربية تذهب إلى مجالات الأمن والدفاع على حساب التنمية الاقتصادية.
على ذات المنوال، لم تفكر الحكومات العربية في المستقبل عبر امتلاك التكنولوجيا وإدارة منصاتها والتشجيع على إقامة المقاولات الناشئة والصغيرة عبر بث روح الإبداع وريادة الأعمال وذلك راجع إلى سيطرة البيروقراطية الركيكة على مناحي الاقتصاد ثم غياب الدراسات المستقبلية والاستشرافية في مراكز البحث والجامعات العربية.
علاوة على ذلك، لم تساعد الخصخصة في الحد من الفقر بل كانت عاملا في زيادته تجلى في تحول احتكار قطاعات اقتصادية من طرف الدولة إلى رجال أعمال مقربين من السلطة في ظل عدم وجود قوانين تنظيمية للتنافس والحرية الاقتصادية الأمر الذي جعلهم ينتفعون اقتصاديا وتوسعت شركاتهم الخدمية على حساب المستهلك والمصنع العربي، وقد أثر انسحاب الدولة من الأنشطة الاقتصادية عبر عمليات الخصخصة في سياسات التشغيل، التنمية والتهميش الاجتماعي. وتحتاج الدول العربية إلى إعادة تركيب المنظومة الاقتصادية عبر توفير أعمدة قانونية وإرساء حوكمة شاملة تخدد الأدوار والمسؤوليات، توزع السلطات، تفرض الشفافية والمراقبة وتدعم الابتكار والإبداع ماديا ولوجيستيا مما يسهل إعادة صياغة العلاقة بين الفضاءات الثلاثة للإنتاج الممثلة في القطاع العام الحكومي، القطاع الخاص، والمجتمع المدني.