فهم الصين ضروري

هنالك نقاش جدي بين الفرقاء اللبنانيين حول مصلحتنا كاقتصاد في الاتجاه شرقا أي عمليا نحو الصين للاستثمارات والتجارة، بالاضافة الى الحفاظ على علاقاتنا العربية والغربية. المشكلة تكمن في أن السياسيين يخلطون بين المصلحة السياسية والاقتصادية، وبالتالي تضيع النتائج كما يغيب المنطق. الجميع عالميا يخاف من "القوة الصفراء" التي أطلقت عليها في الغرب تسميات سلبية تحمل التجني. ليست هنالك أمثلة عديدة مشابهة للصين من حيث الانتقال من اقتصاد فقير ونامٍ الى أول أو ثاني اقتصاد في العالم بسرعة. تحولت الصين خلالها من مستورد لرؤوس الأموال الى مصدر، وطريق الحرير تشهد عليه. تعتمد الصين النظام الشيوعي السياسي، لكنها تمارس في الاقتصاد النموذج الرأسمالي. في سنة 1949، تأسست الجمهورية الشعبية الصينية مع "ماو تسي تونغ" القائد التاريخي. توفي في 1976 وانتقلت الصين الى مراحل أخرى. كان حجم الناتج الصيني وقتها يعادل 5% من الناتج العالمي. في 1979 ومع "دينغ هسياو بينغ" وبفضل سياسات الانفتاح المنطقية، بلغ حجم الاقتصاد في 1995 حوالي 11% من الناتج العالمي وعبر معايير حسابية أخرى 20%. في 2016 وحدها، بلغت الاستثمارات الصينية الخارجية 150 مليار يورو وتوزعت على قطاعات متنوعة، مما يشير الى الرغبة والقدرة على التنويع. استثمرت الصين في المؤسسات السياحية الغربية وشركات السيارات والطيران والمرافئ العامة. من المدهش وفي المؤتمرات العالمية الأخيرة أن نسمع إدارة ترامب السابقة تتكلم عن خطورة التجارة الحرة ومساوئ انتقال رؤوس الأموال، بينما نسمع القيادات الصينية الشيوعية تدافع عن الاقتصاد الحر ومزاياه وفوائده. مع بايدن تعود الأمور الى المنطق والعلم. تعلمت الصين كثيرا من تجربة الاتحاد السوفياتي. شددت على تحقيق النمو المتواصل، وهذا ما لم يستطع الاتحاد السوفياتي تحقيقه. كان الاتحاد مقفلا ويحكم من قيادات غير منفتحة ولا تقبل التغيير والتحديث. عندما جاء "غورباشوف" الى الحكم، كان الوضع منتهيا ولم تكن هنالك فرصة عملية واقعية للمعالجات. كانت السلطات مركزية في الاتحاد، كما أن النقاشات والاعتراضات محدودة. أما الصين فوسعت اللامركزية كثيرا توزيعا للنمو، ولتسمح بمزيد من الحريات المضبوطة للمناطق. يرى الصينيون ان الجمع بين سلطة مركزية شيوعية ونظام اقتصادي رأسمالي ممكن. نجح الصينيون في هذا الجمع، لكن السلطة المركزية بقيت قوية والحريات السياسية والإعلامية محدودة كما تشير اليه أحداث هونغ كونغ. تعلم الصينيون أيضا من الدول المجاورة وخاصة من اليابان وكوريا الجنوبية. نفذوا إصلاحات في القطاع الزراعي، فحولوا الملكيات الكبيرة الى أخرى صغيرة منتجة. قاموا بتحويل الصناعات من محلية الى عالمية مصدرة وجاذبة للعملات الصعبة. تدخلت الحكومة الصينية في القطاع النقدي عبر إبقاء الفوائد منخفضة وسعر الصرف متدنياً ووضعت قيودا على رؤوس الأموال للاقتراض وثم الاستثمار. دخلت الصين الى منظمة التجارة العالمية في 2001 وتلتزم أكثر فأكثر بالمعايير والقوانين الدولية. ما قامت به الصين عبر عقود من الجهد لا ينجح بالضرورة في أماكن وأوقات مختلفة.