ما تشهده الاقتصادات الخليجية من تداعيات خطيرة نتيجة لانخفاض أسعار النفط مثل ارتفاع في العجوزات المالية وتفاقم الدين العام يذكرنا بالنظرية الاقتصادية القديمة الجديدة وهي "لعنة الموارد". تؤمن هذه النظرية بأن الاعتماد على الموارد الطبيعية يؤدي إلى نتائج سيئة للاقتصاد الوطني، حيث إن وجود وفرة من تلك الموارد في بلد ما ستكون لها آثار اجتماعية وسياسية واقتصادية سالبة. كما أن أداء الدول التي تتمتع بثروات ضخمة من الموارد الطبيعية يكون أسوأ من تلك الدول التي لا تتمتع بمثل هذا القدر الضخم من الموارد، وأن الثروات الطبيعية الوفيرة كثيراً ما تؤدي إلى إيجاد دول غنية تقطنها شعوب فقيرة. وهذا ما أثبتته الدراسات عبر التاريخ . ففي السبعينيات بيّن دي غوبيند نانكاني وهو نائب رئيس في البنك الدولي أن متوسط النمو في مجموعة من البلدان المصدرة للمعادن كان فقط بنسبة ١٫٥ ٪ سنويا خلال الفترة من ١٩٦٠ إلى ١٩٧٦، وهو ما يساوي نصف معدل النمو في مجموعة من البلدان غير غنية بالمعادن. كما أن الدول الغنية بالنفط تحقق إنجازات أقل بكثير من غيرها من البلدان الفقيرة بالموارد. وطبقا لهذه النظرية فإن الاعتماد على تصدير النفط يكسب الكثير من العملة الأجنبية التي بدورها تؤدي إلى ارتفاع في سعر الصرف للعملة المحلية، وبالتالي عدم قدرة الصادرات من القطاعات الاقتصادية الأخرى على المنافسة في الأسواق العالمية، مما يعني تهميش تلك القطاعات وهيمنة واضحة لقطاع النفط ليس على النشاط الاقتصادي فحسب بل على هيكل الاقتصاد الكلي. بعد عقود من الزمن وبعد استنزاف موارد البلدان الفقيرة اعترفت شركات النفط العالمية أن هناك أزمات وتحديات خطيرة تواجه الدول النامية بسبب ارتباطها بالموارد الطبيعية واعتمادها الكلي على عائدات تلك الموارد. نك بتلر، نائب رئيس شركة بي بي، قال في خطاب ألقاه في عام ٢٠٠٤، "إن المشاكل التي ابتليت بها عدد من البلدان المختلفة نتيجة لتنمية الموارد الطبيعية واقع لا يمكن إنكاره، وأنا مقتنع بأن هناك أشياء يمكننا القيام بها لتخفيف حدة العديد من المشاكل، ولكن سيكون من الخطأ تماما أن يُبدأ موقفنا بالإنكار". ستبقى هذه اللعنة الاقتصادية تلاحق البلدان التي تعتمد اقتصادياتها على بيع الموارد الطبيعية وتفشل في تنويع قاعدتها الإنتاجية وفك الارتباط المزمن بين قطاعاتها الاقتصادية وميزانيتها مع تلك الموارد الطبيعية . فهذه النظرية تقول لنا إن المصير الحتمي لتلك الدول هو الفشل والإفلاس والفقر والحسرة والندم بعد أن تنتهي من إنتاج وتصدير مواردها الطبيعية. دول مجلس التعاون الخليجي مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في سياساتها وأولوياتها الاقتصادية وخاصة سياسات تنويع مصادر الدخل. فلا مجال لهذه الدول أن تحقق نمواً حقيقياً واستقرارا اقتصاديا إلا بعد أن تتغلب على لعنة الموارد وفك ارتباطها بالنفط، وذلك من خلال تنمية القطاعات غير النفطية واستبدال إيرادات النفط بإيرادات الصناعة والمعرفة، أي الاستثمار في القدرة على الابتكار، وهذا ما يضمن لها تحقيق التنمية المستدامة.