النفط والمستقبل

عاشت دول الخليج ردحا من الزمن تجاوز الخمسة عقود - تمثل في مجملها العمر الحقيقي لنهضتها الحديثة - اعتمدت خلالها على عوائد مبيعات النفط لتمويل موازناتها السنوية وإعداد وتنفيذ برامج خططها الخمسية وتعزيز قدرات صناديقها السيادية وإدارة وتوجيه استثماراتها لتظل رافدا مهما ضامنا للمستقبل، وقد مكنتها أسعار النفط المزدهرة - التي وإن مُنيت بانتكاسات وتراجعات محدودة في فترات بعينها إلا أنها سرعان ما تعاود الارتفاع من جديد بسبب قوة الطلب والعدد المحدود للدول المنتجة للنفط وقدرة دول أوبك على التحكم في السوق.  خلال تلك المرحلة من بناء مدن حديثة وإنشاء شبكة متقدمة من الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات وتحديث المؤسسات التعليمية والصحية والموانئ والمطارات وتوفير حياة مزدهرة للمواطنين فيها، تقوم على مجانية خدمات التعليم والصحة ودعم أسعار الكهرباء والماء والطاقة وبعض السلع الأساسية ورعاية أسر الضمان الاجتماعي وذوي الدخل المحدود وتوفير فرص وظيفية للباحثين عن عمل... ما أفضى في المقابل إلى التوسع في الإنفاق بشكل كبير وارتفاع حجم الموازنات السنوية، وعلى الرغم من الملاحظات والكتابات والآراء الناقدة على أداء الحكومات الخليجية والسياسات الاقتصادية المتخذة والتي أدت كما يرى الكثيرون إلى اتساع صور الفساد وإهدار المال العام ومعه العديد من الفرص الاستثمارية التي كانت كفيلة بتحقيق مصادر أخرى للدخل، وثراء شريحة صغيرة من المسؤولين المنتفعين على حساب المصالح في عمومها، إلا أنه ومع كل ذلك فإن المجتمعات الخليجية عاشت في بحبوحة من العيش وحياة أقرب إلى الرخاء. واليوم وعلى ضوء التحديات الكبيرة التي يتعرض لها الاقتصاد الخليجي والظروف المستجدة التي تعيق تحسن أسعار النفط والنظرة التشاؤمية حول معاودة ارتفاعها إلى المستوى الذي يحقق التوازن ويفي بمتطلبات الإنفاق على أقل تقدير وفقا لقراءات وتحليلات واقعية، يبدو أن تلك المكاسب على وشك أن تضيع إن لم نحسن التعامل مع الأزمة ونضمن تحقيق نجاحات سريعة في البحث عن عوائد مالية غير تقليدية وتطوير القطاعات الواعدة وتحفيز البيئة الاستثمارية التي نستطيع من خلالها تحقيق موارد جديدة وننوع مصادر الدخل بما يؤدي إلى الاستغناء التدريجي عن النفط الذي يقابل ارتفاعه في الأسواق العالمية زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة. إن الخوف الأكبر يتمثل اليوم في الإفراط في الاقتراض بما يعنيه ذلك من أعباء (الفوائد والفوائد المركبة وأقساط تسديد القروض)، وانعكاساتها الخطيرة على (الموازنة الحكومية والاقتصاد الوطني)، دون أن يصاحب تلك القروض المتراكمة ارتفاع أو تحسن في النمو، خاصة في حال توجيهها لسداد العجوزات في المصروفات الجارية ممثلة في الرواتب وعجوزات صناديق التأمينات والتقاعد والالتزامات المالية تجاه المجتمع والتي لا نهاية لها ولا يمكن التحكم بها في المستقبل، بدلا من مشاريع البنية التحتية والاستثمارية المستدامة التي يعول عليها في تحقيق موارد مالية جديدة، والوقوع من ثم في براثن صندوق النقد الدولي وسياساته المجحفة في توظيف الظروف الاقتصادية للبلدان الخليجية في السعي لانتهاك سيادة دولها. إن وضع سياسات مشتركة بين دول الخليج لتعميق التعاون وتعزيز التنسيق وتبادل الخبرات وتوقيع الاتفاقيات وتسهيل الإجراءات بهدف تحقيق تكامل اقتصادي استثماري تمويلي تنموي في مختلف المجالات السياحية والمعرفية والسمكية والزراعة والصناعة وغيرها وفتح الأسواق وتوحيد التشريعات والقوانين والأنظمة والإجراءات من شأنه أن يحقق نجاحات مهمة في إصلاح الاقتصادات الخليجية وتجاوزها للأزمة، فتعزيز الموارد سوف يمد شرايين الأوطان بالحياة والرخاء متى ما كانت خصبة متدفقة، وبالأسقام والعلل إذا أصابها النضوب والجفاف.