لم تعد كرة القدم ما نراه من مقاعد المتفرجين فقط، وإنّما أصبحت فعلا إنسانيا وإبداعيا متجدّدا، لا يتوقف عند حد، ونشاطا يحاكي مثابرة النمل، وتحليق الطيور.. ولابأس من استدعاء المزيد من البهارات المشهِّية.. والحرَّاقة أحيانا.. هي رياضة في حالة تشكل مستمر تنتشر ذهابا وعودة في المسافات الممتدة من أماكن قصِيَّة على خارطة العالم إلى مقر (الفيفا) حيث تحتل العاصمة السويسرية مكانة مرموقة، ليس بالثقل الكروي وإنما بثقلٍ مادي، ومكانة مالية أراها من الزاوية الرياضية والإعلامية في الاتفاق على تسمية الاتحاد الدولي لكرة القدم (إمبراطورية الفيفا). فرض هذا الاستهلال نفسه على كاتب السطور، ثم تحوَّل إلى عصف ذهني منذ انتشار مقترح النجم الهولندي السابق (فان باستن) بإلغاء قانون التسول وتسلم الاتحاد الدولي مقترح الفرنسي (ارسين فينغر) مدير التطوير في الفيفا والخاص بإجراء تعديل قانون التسلل، القانون الذي يمثل جانِبا من إثارة وجدل كرة القدم، - حتى بعد تطبيق تقنية غرفة الفار - وكما برر (فان باستن) مقترح الإلغاء للتسلل، قدَّم مدير التطوير في الفيفا الألماني (يورن كلوب) المدير الفني لليفربول حيثيَّاته، محدثًا ذات العصف الذهني حول هذه الأفكار عندما استعان بحادثة إصابة الحارس البرتغالي باتريسيو إثر اصطدامه بالمصري محمد صلاح وعلاقة ما حدث بجدل حول موقف تسلل.. وإذا ما تذكرنا أن الهولندي (فان باستن) غادر الملاعب مصابا فمن غير المستبعد أن ما حدث له من إصابة كان دافعا ذاتيا يتفوق على مبرره في أن من شأن إلغاء قانون التسول أن يقود إلى غزارة في الأهداف، بما تمثله من قيمة تعزز متعة كرة القدم.. إن الإثارة في بروز آراء حول هذه الإلغاء أو التعديل لهذه المواد القانونية تأتي من كون أول مرة جرى فيها تعديل قانون التسلل في لعبة كرة القدم جرى قبل ما يقرب من مئة عام.. ومع ذلك لا غرابة في أي تعديلات مهما كانت. لأن كرة القدم في حالة تشكل وتطور يمتد من ميادين التنافس إلى المدرجات، كما رأينا ذلك في انتشار أشكال تشجيعية جماهيرية مُتموِّجة بدأت من المكسيك ثم انتشرت في ملاعب العالم.. وإذا كان المؤيدون لمقترح إلغاء التسلل يستندون على حسنات إثارة الأهداف وتقليل إصابات الالتحامات الخطيرة بين الحراس والمهاجمين تحديدا، سَيَرى المعارضون في إبقاء الحال على ما هو عليه احتفاظا بحقيقة أن للأهداف القليلة في كرة القدم احتراقها وطعمها وجدلها، وما يميزها عن غزارة أهداف كرة اليد مثلا.. فضلا عن تعزيز الخيال الإيجابي للاعبي الدفاع والهجوم، وإبقائهم في حالة توقد ذهني أمام حسابات التسلل وكسرهِ ومفاجآته، واستذكار دروس وعِبر أكثر عند الفوز وعند الهزيمة. وشخصيا تستهويني الأفكار الجديدة التي تتجاوز موضوع الملل إلى الاقتناع بأن التغيير دليل حياة.. خاصة عندما يسبق التنفيذ دراسة وتجريب على مستويات محدودة قبل تحويلها إلى واقع عالمي، وفعل إنساني، وحالة من التخصيب المستمر، كما حدث وسيحدث من تعديلات، بحثًا عن المزيد من المتعة.. والإثارة.. والجدل..! ورمضان كريم على الجميع..