شهر رمضان، الشهر التاسع في التقويم الهجري هو شهر الصوم والعبادة وشهر الرحمة والغفران، هو ذلك الشهر القمري الذي يحمل بين لياليه ليلة خيرا من ألف شهر، شهر يُغير فيه كثير من الناس عاداتهم اليومية والاستهلاكية بل وحتى الإنتاجية، نشتري فيه ما لا نستهلكه باقي شهور السنة فها هي منتجات كثيرة وأغلبها مأكولات ومشروبات ارتبطت بالشهر الكريم فباتت تظهر مع هلاله وتغيب معه حتى أصبحنا لا نتخيل كيف يُمكن أن نقضي رمضاناتنا بدونها، جميل هذا التميُّز والتغيير وهو يحمل في طياته طرقا جديدة من الاستهلاك والشراء ينتظرها التجار من موسم إلى آخر، لتنتعش مبيعاتهم وترتفع إيراداتهم فيكسبون بها ما يساعدهم في تعظيم أرباحهم وأعمالهم باقي شهور السنة. أما أهم ما يلفت نظري من الناحية الاقتصادية في هذا الشهر، فهو هذه الصورة النمطية والتي باتت محفورة في ذهن الناس من ارتفاع للاستهلاك وانخفاض للإنتاجية، وهو للأسف ما بات سلوكا طبيعيا تتميز به كثير من الشركات والمجتمعات، والتي وإن خفّضت ساعات العمل فيها في محاولة لإعطاء مزيد من الوقت للناس للتفرغ والعبادة إلا أنها حتما لم تقصد خفض مستوى الإنتاجية والأداء وتأخير تنفيذ المهام والأعمال. من حيث المبدأ فإن الهدف الأساسي من الصيام هو هدف روحاني فيه أيضا منافع جسمانية، يشعر فيها الصائم وهو يعيش حياته الروتينية بأهمية ما رزقه الله من نِعم وعطاءات، ويعيش ساعات من التقشف يحِس بها بما يعاني منه كثيرا ممن غلبهم قوت يومهم، فيحِن قلبه وتسمو روحه ويشاطرهم بعضا من همومهم ليقترب إليهم ويصبح واحدا منهم ولو لساعات، أما من حيث التطبيق العملي فكبرى الولائم والسهرات وأصناف لا تُعد ولا تحصى غالبا ما تفوق احتياجات المستهلكين تُقام يوميا، ناهيك عن الموضوع الأهم وهو التقاعس بالعمل وتغيير سلوك التعامل الاجتماعي ليُصبح غياب القهوة أو السيجارة الصباحية مُبررا أساسيا لأي خطأ أو تقصير يقوم به البعض. من الناحية الاقتصادية شهر رمضان هو شهر مساعدة الفقراء وترشيد الاستهلاك وبالتالي فهو شهر إعادة توزيع الثروات وتحسين مستوى المعيشة للمحتاجين عن طريق عبادات ومناسك يأتي على رأسها إفطار الصائمين وتقديم الصدقات والتبرعات للمساكين والغارمين، وهو ما يرفع من مستوياتهم الادخارية أو وبالحد الأدنى يُقلل من التزاماتهم المادية، وهو ما يتفق مع المفهوم الروحي الخاص بالتسامح والعطاء والتراحم بين أفراد المجتمع الواحد، فالصوم هو تجربة بالغة العمق وهو لا ينحصر فقط بالإمساك عن الطعام والمشروبات وباقي المفطرات، بل هو يتجاوز ذلك ليُحسِّن من مجتمعاتنا ويُعيدنا إلى أساس التعامل الإنساني بالامتناع عن الأذى ومشاركة الآخرين همومهم ومشاكلهم عن طريق التسامح والعطاء. بعض الدراسات الاقتصادية في بعض الدول في العام 2018 مثلا أظهرت ارتفاع نسب الاستهلاك في شهر رمضان بمعدل يتراوح بين 30% إلى 150% وبعض الدراسات الأخرى أظهرت وبنفس الوقت نسبا مرتفعة من التلف والهدر الغذائي، وكذلك وبنفس الوقت فإن أعمالا إيجابية عديدة تقوم بها دول كثيرة مثل خفض أسعار المنتجات الاستهلاكية الضرورية وتحفيز الناس على العطاء والتصدُق أيضا يساهم في تعزيز قِيم هذا الشهر الكريم. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإننا وببعض الأحيان قد نكون بحاجة إلى وقفة من التفكير العميق بأنماط استهلاكنا وأعمالنا الشخصية في هذا الشهر الكريم، فالعطاء والتصدُّق والعبادات تحتاج أيضا إلى التفكر والعمل الجاد فشهر الصيام أيضا هو شهر العمل ورفع الإنتاجية وشهر الغفران هو شهر الصبر والمسؤولية ورفع المستويات الاستهلاكية يجب أن يرافقه خفض في مستويات الهدر وارتفاع في مستويات التصدُّق والعطاء، وهنا أتذكر تاريخنا الجميل في هذا الشهر الفضيل فها هو يوم السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة يشهد أولى المعارك المهمة في التاريخ الإسلامي (غزوة بدر) وها هو فتح مكة يحدث في اليوم العشرين من رمضان في السنة الثامنة للهجرة وأيضا معركة حطين الشهيرة بقيادة صلاح الدين الأيوبي تحمل توقيع اليوم السادس والعشرين من رمضان، ناهيك عن فتح أنطاكية ومعركة عين جالوت وغيرها الكثير والكثير وهنا أستذكر ما قاله أحد الصالحين «في رمضان افتح قلبك المغلق بمفاتيح التسامح، اطرق على تلك الأبواب المغلقة بينك وبينهم، ضع باقات زهورك على عتباتهم، واحرص على أن تبقى المسافات بينك وبينهم بلون الثلج النقي».