ازدهار المجتمعات الخليجية تعصف به رياح كورونا

خمسة عقود مضت عاشت فيها المجتمعات الخليجية في بحبوحة من العيش، بفضل "الذهب الأسود" الذي اعتمد عليه العالم في تحريك عجلة التنمية والاقتصاد وتشغيل المصانع وتسيير وسائل النقل. وعندما كان الخليج مسيطرا على تجارة النفط وتشغيله وتصديره بصفته يحتوي على الكتلة الأكبر في حصص الإنتاج والاحتياطي، مقارنة بالإنتاج العالمي، امتلك القدرة على التحكم في منحنيات أسعاره في الأسواق العالمية، بما يحفظ له حقوقه في مورده الثمين، ويضمن لموازناته السنوية وخططه الخمسية الاستمرارية والنمو ويحقق تطلعات شعوبه في الرخاء والازدهار. فاستثناء من المواطنين الخليجيين من لا يحصل على راتب شهري من بنود الموازنة العامة، بصفته موظفا، أو متقاعدا، أو منضويا تحت مظلة الضمان الاجتماعي، وإلى جانب هذه المصادر وجدت قنوات حكومية قريبة من حكام الخليج - الديوان الملكي، السلطاني، الأميري - وجمعيات خيرية ووسائل أخرى عديدة تقدم المساعدات والهبات والعلاجات في الخارج وفق آليات وضوابط معروفة - صحيح أنها افتقدت المعيار الدقيق في تطبيق العدالة والمساواة - ولكن الكثيرين استفادوا منها. في مراحل زمنية سابقة كانت الحكومات الخليجية تستوعب كل باحث عن عمل في مؤسساتها وإداراتها، وتحملت عبء دعم جزء من خدمات الكهرباء والماء والوقود والإسكان. والبنوك والمصارف وشركات التمويل تقدم القروض بسخاء والراتب هو الضامن، ما مكن المواطنين من بناء منازل وشراء سيارات وأجهزة حديثة والاستمتاع بالسفر والاستجمام والدخول في مشاريع وأعمال تجارية عديدة. وعندما تتراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية، تلجأ الحكومات إلى صناديقها الاستثمارية الثرية، وطرح السندات والاقتراض، فهي تدرك بأن التراجع مجرد سحابة صيف سرعان ما تتلاشى على ضوء التجارب العديدة، أما الأزمات المالية التي تلحق الضرر ببعض الاقتصادات العالمية على فترات، فتأتي تأثيراتها على اقتصادات دول الخليج بشكل غير مباشر، وأجزاء واسعة من دول العالم لا تتأثر بها، مثالا أزمة 2007 - 2008 المالية، لذلك تكون الخيارات واسعة والأسباب مفهومة، والأسواق مفتوحة، والتحفيز يؤتي أكله، والسياسات والقرارات التي تتخذ تسهم في التعافي. أما الأزمة أو الكارثة أو الشبح الاقتصادي الذي فرضته جائحة كورنا وانهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية فمختلف بشكل كبير عن سابقاته، وحدث غير مسبوق في التاريخ الحديث لأسباب فصلناها في مقالات سابقة وفقا للمؤشرات والقراءات المنشورة، في الأزمات السابقة كانت المعالجات بيد الاقتصاديين والسياسيين، أما أزمة كورونا الاقتصادية فالحلول بيد الأطباء والمختبرات العلمية وسرعة أو بطء نجاحهم في اكتشاف مصل يقي من هذا الوباء، ومنحنى الأحداث مجهولة والخيارات شحيحة جدا، والأنشطة الاقتصادية معطلة. فهل ستبقى المجتمعات الخليجية محتفظة بامتيازاتها وحياتها المزدهرة وبحبوحة العيش الذي كانت عليه في عصر ما بعد كورونا؟. لا شك بأن التحديات كبيرة والأزمة عميقة والمستقبل مجهول والأوضاع مقلقة والمؤشرات تنذر بمستقبل قاتم، وبلدان العالم جميعها تبحر في محيط تحاصره الرياح العاتية، والملفات الشائكة تثقل كاهل دول الخليج، أسعار النفط في أدنى مستوياتها، الأسواق والأنشطة التجارية بين مغلق ومعلق، الحركة الشرائية ضعيفة، تكلفة التعاطي مع الجائحة باهظة، ملفات المسرحين عن العمل والباحثين عنه تزداد تعقيدا، والحكومات الخليجية فشلت للأسف في تحقيق تكتل اقتصادي قوي قادر على التعامل مع أزماتها الاقتصادية واستنزفت الأموال الصراعات والحروب بدلا من استثمارها في التنمية وتجويد التعليم والبحث العلمي والخدمات الصحية وإنشاء المشاريع والمصانع العملاقة واللحاق بالركب الحضاري، فهل ستستفيد حكوماتنا من الدرس العميق فتجنب مجتمعاتها خسارة ما كسبته من رخاء خلال خمسة عقود؟.