في سجل النجاحات وتخطي الإخفاقات والنهوض من ركام التاريخ بحروبه ودماره وهزائمه وانكساراته وحماقات حكامه وأنظمته القمعية، والانفلات من قيود الاستعمار وآثاره ومخلفاته المتمثلة في الجهل والفقر والتخلف وتدمير البنى التحتية ونهب المقدرات والثروات، تنهض دول كثيرة تسابق الزمن وتنافس السابق وتقدم تجربتها كنموذج حقيقي على قدرة الأمم والشعوب على تخطي الصعاب والتغلب على التحديات مهما بلغ مداها، وتمهر رسالة نجاحها بالتأكيد على أن المستحيل قد تحول إلى ممكن والصعب إلى سهل والضعف إلى قوة والصحراء إلى واحة خضراء والفضاء إلى عمران والانهيار الاقتصادي إلى نمو متصاعد، بالعزيمة والتصميم والخطط المحكمة والرؤية المدروسة والعمل الجاد وتحديد الأولويات والغايات والمضي قدما في تحقيقها والأخذ بمقتضيات العصر وتطوراته والاستثمار في البنى التحتية والقطاعات المتعددة. ويمكن أن نستعرض في مسيرة النجاح والتقدم العديد من الأمثلة، فدولة مثل كوريا الجنوبية على سبيل المثال وبرغم أنها لا تمتلك موارد طبيعية تقريباً وتعاني من اكتظاظ سكاني في مساحة صغيرة، وتشكل سوقا استهلاكية داخلية كبيرة، وكانت حتى العام 1960 من أفقر دول العالم كغانا والسودان إلا أنها تحولت في فترة قصيرة لتصبح من بين (أسرع الاقتصادات نموًا في الفترة ما بين الستينيات والتسعينيات في القرن العشرين، وأيضًا كان اقتصادها من بين الأسرع نموًا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين)، بالإضافة إلى اقتصاديات كل من هونغ كونغ وسنغافورة وتايوان، ذلك لأنها أخذت بإستراتيجية الاقتصاد الذي يتوجه نحو التصدير، ففي 2012، كانت كوريا الجنوبية سادس أكبر مصدر وسابع أكبر مستورد على العالم. والبرازيل التي اعتمد اقتصادها على التصدير، فقد أصبحت في المرتبة السابعة ضمن قائمة أكبر اقتصاديات العالم، وفي المرتبة الأولى في أمريكا اللاتينية، وبعد أن كان (صندوق النقد الدولي يرفض إقراض البرازيل في أواخر عام 2002 أصبح بعد ثمانية أعوام من العمل في برنامج لولا الاقتصادي مدينا للبرازيل بـ 14 مليار دولار). صحيح أن البرازيل تشهد انكماشا في اقتصادها بدأ مع مطلع العام 2015، ولكنها ليست الوحيدة التي تواجه صعوبات اقتصادية في (دول بريكس التي تتألف أيضا من روسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا). وفي القائمة يمكن أن نضيف سنغافورة التي تحولت من جزيرة صغيرة مقفرة بلا موارد إلى واحدة من أهم البلدان الاقتصادية في العالم ولاعبا رئيسيا في نادي الأغنياء. ولا يمكن أن ننسى في الإطار ذاته ماليزيا وتجربة مهاتير محمد، الذي قاد الدولة الماليزية إلى نهضة حضارية تحولت فيها من دولة تعتمد كُلّياً على (الزراعة، وإنتاج وتصدير المواد الأولية، إلى دولة صناعية مُتقدمة يُساهم قطاعا الصناعة والخدمات فيها بنحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي). ودول الخليج قادرة على تحقيق تطلعات مجتمعاتها والنهوض باقتصادها، والحفاظ على ازدهار المواطن، فهي مجتمعة تمتلك المقومات والإمكانات التي تؤهلها للتقدم والرفعة، ولديها أسباب النجاح والقوة لكي تتصدر المشهد وتصبح قوة اقتصادية تتعدد مواردها وتتنوع مصادر الدخل فيها وتشهد نموا متصاعدا في اقتصاداتها عبر تكامل تلك المصادر والمقومات والإمكانات والظهور أمام العالم كتكتل اقتصادي متماسك في الرؤية والخطاب والخطط والبرامج والتنسيق والتعاون وتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية وتعزيز العمل المشترك وتبادل المعلومات وتطوير القوانين والتشريعات وتوفير البيئة المناسبة للاستثمار وجذب الأموال وتحقيق تطلعات المجتمع الخليجي ومصالحه. إن المقومات الغنية التي تمتلكها دول مجلس التعاون عبر عضويتها وتكاملها في هذا المجلس، ومن خلال موقعها الإستراتيجي المطل على الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب والبحر الأحمر ومنها إلى المحيط الهندي وحدودها المشتركة مع دول مزدحمة بالسكان، يمكن أن تشكل أسواقا مهمة للمنتجات الخليجية وإمكانية الاستثمار في السياحة والمعادن والتعليم والنقل...إلخ، والاستفادة من العناصر الباحثة عن عمل في كل من المملكة العربية السعودية وعمان، للعمل والاستفادة منها في أسواق بلدان الخليج الأخرى ومؤسساتها التي لا تزال في حاجة إلى الكفاءات والعناصر البشرية، وتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية والعمل المشترك وتعزيز مجالات التعاون فيما بينها تهيئها لقيام تكتل اقتصادي قوي ومنافس وضامن لمستقبل مشرق. لكن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية جماعية لتتمكن البلدان الخليجية من جني ثمار مجلسها، فنجاح أي تكتل وتعاون يجمع دولتين أو أكثر وتحقيق ثمار الاجتماعات وتوقيع الاتفاقيات يظهر عبر القراءات والمؤشرات الاقتصادية ومستوى المبادلات التجارية ورصد حجم نموها، أي أن الأرقام والنسب هي المعيار الحقيقي لقيمة التعاون والنجاح.