بدأ التنافس الأوروبي على اجتذاب البنوك والشركات المالية العالمية التي اتخذت من لندن مركزًا لعملياتها وأنشطتها في جميع دول الاتحاد الأوروبي، والمتضررة من قرار الخروج من الاتحاد، ويؤكد العديد من المحللين الاقتصاديين على أنه بمجرد الخروج الفعلي لبريطانيا من الاتحاد والذي بدأت مفاوضاته خلال الأيام القليلة الماضية، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى فقدان العديد من هذه البنوك والشركات فرصة السماح لها بتقديم خدماتها إلى عملائها في دول الاتحاد الـ 27. ولقد بدأت بعض مدن دول الاتحاد الأوروبي من الآن في الترويج لاجتذاب هذه البنوك والشركات المالية العالمية إليها موضحة أهم مميزاتها التي تؤهلها لهذا الدور، كما بدأت البنوك والشركات الموجودة في لندن «في الوقت نفسه» في دراسة هذه الخيارات المعروضة والمتاحة بهدف الحصول على موافقات الجهات التنظيمية لعملياتهم بدول الاتحاد الأوروبي والعثور على مكاتب ومقار جديدة ونقل أو تشغيل موظفين جدد، وهو الأمر الذي شجع عددًا من المدن الأوروبية الكبرى على استثمار هذا الموقف وهذه الفرص وفي مقدمتهم باريس وفرانكفورت ولوكسمبورج وأمستردام. ولتحقيق هذا الغرض فقد أرسلت فرنسا في الشهر الماضي وفدًا اقتصاديًا رفيع المستوى إلى العاصمة البريطانية لندن للاجتماع مع أكثر من 80 من مديري البنوك التنفيذيين ومديري الأصول وشركات الأوراق المالية وإطلاعهم على ما تتمتع به العاصمة الفرنسية من إمكانات ومزايا، وإنها في سبيلها لخفض معدلات الضرائب بحلول عام 2020 وأنها تسعى لمنح إعفاء ضريبي على الدخل لمدة خمس سنوات لأصحاب الدخول المرتفعة. فيما أعرب مدير مركز فرانكفورت المالي الألماني «هوبر توس فاث» عن ثقته من قدرة بلاده على اجتذاب المزيد من هذه البنوك والشركات المالية العاملة في بريطانيا.. كما تسعى لوكسمبورج للاستفادة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي معتمدة في ذلك على الصين التي تستخدم البنوك الكبرى بها كواجهة قارية، وإن لم تعلن حتى اليوم عن أي تغييرات في معدل ضرائبها أو أنظمتها. كما لم تترك هولندا هذه الفرص السانحة والخروج منها خاوية الوفاض فقامت وكالة الاستثمارات الأجنبية الهولندية بتوسيع مكتبها في لندن كي تتمكن من اجتذاب عدد من هذه البنوك والشركات المالية العالمية، مستثمرة في ذلك ما تتمتع به من ارتفاع معدلات جودة الحياة وتحدث جميع سكانها «تقريبًا» اللغة الإنجليزية، وإن أكد الكثيرون على افتقار المركز المالي في أمستردام بالمقارنة بمثيليه في باريس وفرانكفورت. ويرى العديد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين على أنه يصعب في الوقت الراهن قياس حجم المكاسب التي يمكن أن تحصل عليها تلك المدن الأوروبية من الخروج البريطاني، إذ يتوقف الأمر على الاتفاق الذي سوف يبرم بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى إمكانية تفضيل عدد من هذه البنوك والشركات في نقل بعض أعمالها إلى خارج أوروبا كنيويورك أو سنغافورة أو هونج كونج.. والأهم من ذلك صعوبة ترك بريطانيا هذه البنوك والشركات لمغادرتها بسهولة دون تقديم المزيد من الإغراءات لبقائهم على أراضيها، وفي مقدمة هذه الإغراءات خفض الضرائب لمستويات غير مسبوقة.