تملئ السماء عواء وتجمع كل كلاب المدينة حتى تصطاد أرنبا صغيرا هكذا هي الكلاب، أما الأسد فيصطاد ثورا كبيرا لوحده وبصمت، ببساطة هكذا فاجأني حكيم صغير عندما سألته عن إدارة معاركه الصغيرة، كيف استطاع أن يكون بهذه الحكمة ومن أين له تلك البديهة، الأمر الذي دفعني أن أبحث عن معنى الحكمة، هل هي بطول العمر؟ أم بكثرة التجارب أم بعمق الفكر؟ وهل كل كبير حكيم وكل صغير جاهل؟ وهل يمكن أن يكون مجتمع بأكمله دون قيم عادلة إذا كان حكماؤهم جهلة وهل يمكن أن يكون مجتمع كاملا متزنا وعادلا ومحقا للحق ورافض للظلم إذا كان حكمائه كذلك؟ إذا كان كذلك فالحكمة مهنة لابد أن تكون على أسس واضحه وثابتة وصحيحة. أما عن مفهوم الحكمة فهي تلك القوة العقلية العلمية المتوسطة بين الغريزة، والبلادة. وتجيء على ثلاثة معان: الأول الإيجاد، والثاني العلم. والثالث الأفعال، وقد فسر ابن عباس، رضي الله عنهما، الحكمة في القرآن، بتعلم الحلال والحرام. وقيل الحكمة في اللغة العلم مع العمل. وقيل الحكمة يستفاد منها ما هو الحق في نفس الأمر بحسب طاقة الإنسان. وقيل كل كلام وافق الحق حكمة، وقيل الحكمة هي الكلام المصون من الحشو وقيل هي وضع الشيء في موضعه. وقيل هي ما له عاقبة محمودة. والحكيم هو شخصٌ عاقل يرجح الأمور نحو الصواب بما امتلكه من خبرات عبر تجاربه في الحياة، حيث تعتبر جزءا من التقاليد والعادات التي يجب أن يراعيها الإنسان أثناء تأدية أعماله وحياته اليومية بغض النظر عن الدين والعرق والقومية وأضيف أيضا السن والخبرة. حيث عرف بعضهم أن الحكمة عمل ما ينبغي كما ينبغي في الوقت الذي ينبغي أي بما معناهُ وضع الأمور في نصابها. وأنا أعتبر أن الحكمة مهنة يجب أن تكون موجودة ويمتهنها أصحابها الحقيقيون لسببين أولا ألا يدعو من قصر بصرهم وضاق عقلهم وخانتهم سنون حياتهم فظنوا أنهم بها أصبحوا حكماء، حتى لا يترك لهؤلاء أن يطلقوا الحكم التي تبنى عليها السلوكيات والمبادئ والمعاملات والعلاقات فتفسد ويفسد معها المجتمع بكل مكوناته الاجتماعية والثقافية والإدارية والمالية، فكون أحدهم طاعنا في السن فهذا لا يعني بالضرورة أنه كان حكيم عصره، وأما السبب الآخر لضرورة وجود الحكماء فهو الضرورة الحتمية الملحة لتثبيت القيم الرفيعة والمبادئ السليمة والأخلاقيات الإنسانية التي يصعب على القانون أو النظام أو الدولة تثبيتها لدى النشء الجديد دون وجود حكماء عالمين بالحق متبعين له باحثين عن الخير في ظل قيم العدالة، نعم العدالة هي الضامن الوحيد لبناء الدول المدنية المتقدمة والشعوب المنتجة في مختلف نواحي الحياة مستشهدا بما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية أن الدولة العادلة وإن كانت كافرة تستمر وتعيش وأن الدولة الظالمة تهزم وتنتهي وتبلى وإن كانت مسلمة، إنني أؤمن أن العدالة هي أثمن شيء يمكن الدفاع عنه والتضحية لأجله، وإلى أن نلتقي في عالم يسوده العقل والحكمة والعدالة هذه تحية وإلى لقاء.