في سعيها الدائم لتحقيق التقدم والنمو وفي محاولات الحكومات المختلفة لتقديم جميع وسائل الراحة والرفاهية لمواطنيها تقوم الكثير من الدول بالبحث عن مصادر جديدة لزيادة الدخل و الإيرادات الخاصة بها، بداية قامت الدول باستخدام جميع الوسائل المتاحة بها من مواد أو ثروات طبيعية، ثم ومع عدم كفايتها انتقلت لمحاولات السيطرة على ثروات شعوب أخرى إما عن طريق الحروب حينا أو الاتفاقيات الاقتصادية أحيانا أخرى، ومن ثم ومع تقدم المجتمعات وتطور الفكر المالي بدأت الدول بفرض الضرائب والرسوم على مستثمريها، ولاحقا ومع الثورة الحديثة في الفكر الاقتصادي بدأت بعض الدول بتطبيق طرق استثمارية جديدة كان منها إنشاء صناديق استثمارية أطلقت عليها اسم الصناديق السيادية. فما هي هذه الصناديق؟ وكيف بدأت؟ وما هي أهم أهدافها؟ يُعرِف صندوق التعاون الاقتصادي والتنمية الصناديق الاستثمارية على أنها «وسائط استثمار مملوكة للحكومة يتم تمويلها من موجودات الصرف الأجنبي»، أما صندوق النقد الدولي فيعرفها بأنها «صناديق أو ترتيبات للاستثمار ذات غرض خاص تمتلكها الحكومة العامة وتنشئها لأغراض اقتصادية كلية، فهي عبارة عن صناديق تحتفظ بالأصول أو تتولى توظيفها وإدارتها لتحقيق أهداف مالية، مستخدمة في ذلك استراتيجيات استثمارية تتضمن الاستثمار في الأصول المالية المحلية والأجنبية». وهنا يمكننا تقديم تعريف مبسط لهذه الصناديق على أنها أدوات ادخارية واستثمارية تنشئها وتديرها الدولة بطريقة مباشرة أغير مباشرة، وذلك بهدف الاستفادة من الفوائض العامة للميزانيات عن طريق إعادة استثمارها في أصول متنوعة بهدف تحقيق عوائد وأرباح إضافية. تاريخيا بدأت الصناديق السيادية بالظهور قديما لكنها عرفت نموا سريعا في القرن العشرين ففي خمسينيات القرن السابق مثلا وبالتحديد في عام 1953 قامت دولة الكويت بتأسيس مجلس الاستثمار الكويتي حيث كان يمتلك تفويض لاستثمار فائض عائدات النفط، وذلك بهدف تقليل اعتماد الدولة على الذهب الأسود كمصدر وحيد لإيراداتها، ولاحقا بدأت صناديق سيادية أخرى تظهر بالعالم حيث زاد عددها من ثلاثة صناديق سيادية في عام 1969 لتناهز الـ 82 صندوقا في عام 2014، أما في العام 2020 وبحسب بيانات معهد صناديق الثروة السيادية (SWF Institute)، فقد بلغت الأصول الخاصة بـ 89 صندوقا سياديا حول العالم ما يقارب الثمانية تريليون دولار، ليأتي على رأسها صندوق التقاعد الحكومي النرويجي كأكبر صندوق سيادي في العالم، بأصول بلغت 1,12 تريليون دولار. وبشكل سريع فإن فكرة إنشاء الصناديق السيادية تعود بشكل رئيسي الى رغبة الدول وبخاصة التي تمتلك مصدر واحد للدخل ( كالنفط مثلا ) إلى مواجهة التغيرات والتقلبات المستمرة بأسعار صادراتها وبالتالي فإن اعتبار هذه الصناديق كمصدر إيرادات جديدة ساعدها بتنويع مصادر دخلها وهو ما كان طريقة جديدة للتقليص من مخاطر فكرة انخفاض أسعار المصدر الوحيد للدخل، أما من الناحية الاجتماعية فإن فكرة إيرادات المواد القابلة للنضوب كانت دائما ما تُشكل هاجسا مهما لدى المفكرين وهو ما دفعهم لتشجيع فكرة بناء محافظ وصناديق سيادية تنتقل ملكيتها من جيل إلى أخر كوِرث استثماري دائم للأجيال القادمة. ومن هنا فإن أهم أهداف تأسيس الصناديق السيادية هي: تنويع مصادر الدخل باعتبارها مصدر إيرادات إضافي يساعد في تحقيق الاستقرار الاقتصادي ومواجهة أي تقلبات في أسعار المواد التي تُشكل مصادر دخل أساسية للدولة. المحافظة على جزء من الثروات الحالية وتحويلها لمدخرات تستفيد منها الأجيال القادمة. نقل التكنولوجيا والمعرفة من الدول المتقدمة وفتح أفاق جديدة للفكر الاستثماري وذلك عن طريق التواصل والاحتكاك المباشر مع كبرى الشركات والمؤسسات في العالم. وأخيرا وبرأيي الشخصي وانطلاقا من مقولة السياسي الأمريكي جو مور «الحقيقة البسيطة التي من الصعب تعلمها هي أن الوقت المناسب لادخار الأموال يكون عند امتلاك بعض منها»، فإن الصناديق السيادية وبالرغم من أهميتها لتنويع مصادر الدخل الحالية إلا أن دورها الأكبر والأهم هو في بناء نقطة انطلاق حقيقية للأجيال القادمة تواجه بها تحديات وأخطار المستقبل وتسابق بها النمو السريع لالتزامات واحتياجات المجتمعات في السنوات القادمة، وهنا أتذكر المقولة الشهيرة للفيلسوف اليوناني أرسطو «المال هو ما يضمن لنا امتلاك ما نريده في المستقبل، ورغم أننا قد لا نحتاج إلى شيء في الوقت الحاضر، فإن المال يضمن إمكانية تلبية أي رغبة جديدة حين تنشأ».