أشرت في سلسلة من المقالات التي نشرتها "لوسيل" إلى أن السياسة التي أعلن عنها واعتمدها السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، وتسير على هديها حكومة سلطنة عمان، تعتمد في هذه المرحلة، على ضبط الإنفاق، وتعزيز الرقابة على المال العام، وإحداث نقلة اقتصادية وإصلاحات تشريعية وهيكلية، وتحفيز وتشجيع القطاعات والأنشطة الاقتصادية، والإسراع في تحقيق ثمار التنويع، وتعزيز وتنمية مصادر الدخل، والسير قدما في الاستغناء عن النفط كمصدر أساسي للإنفاق، على المديين المتوسط والبعيد، والتي يتوقع أن تؤتي أكلها وتفصح عنها الأرقام والمؤشرات خاصة في العامين القادمين. وهي سياسة أخذت بها معظم إن لم يكن جميع دول المنطقة على إثر التحديات التي يواجهها النفط كسلعة في الأسواق العالمية، وما أفصحت عنه من دروس عميقة وتجارب ثرية فيما لو تم استثمارها، وعلى الرغم من نتائجها الإيجابية - أي سياسة الضبط والتقشف - وأثرها الطيب على كبح الإنفاق، والحفاظ على المال العام، وتحقيق التوازن بين الدخل والصرف، إلا أن لها من جانب آخر، تداعيات سلبية على الأسواق والشركات ونشاط القطاعات الاقتصادية وريادة الأعمال، وانعكاسات ضارة على النمو، فالقطاع الخاص في البلدان الخليجية اعتمد طوال سنوات الرخاء على المشاريع الحكومية وعلى النهضة التنموية النشطة التي رافقت مسيرة ازدهار أسعار النفط، وعلى مبادرات الإنقاذ وأشكال من الدعم المالي الحكومي المقدم إلى الشركات والمشاريع والوكلاء التجاريين لحمايتها من الخسارة والإفلاس دون أن تتبع ذلك خطوات إصلاحية شاملة، كون أن التحفيز والدعم قائمان في الأساس على المصالح، فالنافذون في الحكومات الخليجية، ومعظم من يمتلكون سلطة القرار ورسم السياسات، كثير منهم في ذات الوقت مسؤولون وشركاء في شركات ومؤسسات القطاع الخاص. وما لم تمنح الحكومات الخليجية القطاع الخاص فرصة التقاط الأنفاس، وفترة سماح كافية لإصلاح هياكله ودمج قطاعاته في النشاط الواحد، والاستفادة من الخبرات العالمية الناجحة، وتجويد أعماله ومنتجاته، وتحقيق تحولات تمكنه من المنافسة الإقليمية والعالمية، والبحث عن أسواق جديدة توسع من مظلة أنشطته وأعماله وإنتاجه، وإقناع المستهلكين والوكلاء التجاريين بالتميز والتفرد والابتكار، فإن السوق الخليجي وقطاعاته وأنشطته الاقتصادية سوف تفقد الكثير من قيمتها وسوف تقود السياسات الحكومية التقشفية إلى إضعافها وتقزيمها، بدلا من نموها وازدهارها وتوسعها، وتحجم من قدرتها على توفير فرص عمل واستيعاب الباحثين عنه بحسب ما هو مؤمل، فعلى الرغم من أن السوق الخليجي صغير والقطاعات الاقتصادية معتمدة في نموها على المشاريع الحكومية، إلا أنها وبدلا من أن تسعى إلى تحقيق التكامل والشراكة والتعاون والتنسيق والتبادل فيما بينها، تتبنى على العكس من ذلك، سياسة منافسة بعضها بعضا على جذب الاستثمارات وتقديم المحفزات واقتناص الفرص، والتسويق لنفسها، ما يهدر في المقابل الكثير من هذه الفرص. الاقتصاد الخليجي يحتاج لضمان انتعاشه ونموه واعتماده على قدراته وتحرره من المظلة الحكومية إلى الشراكة والتعاون والتكامل وتبني رؤية خليجية موحدة في تعامله مع اقتصادات العالم.