النقود تلك الأوراق المحمولة الصغيرة التي يسعى كثير من الناس للحصول عليها، هي وبرغم ألوانها الزاهية وأشكالها المُختلفة تحمل بين أرقامها المُتسلسلة حكايات وأسراراً كثيرة، أوراق جميلة تحتضن بين ثناياها أحلاما وآمالا وأحزانا وانكسارات، تحمل قصصا متناقضة بين نجاح وفشل وبين طموح وسقوط، هي بحروفهِا الأربعة هدف أساسي لمعظم قطاعات الأعمال وشركاته الدولية والمحلية، فكرة غالية الثمن تنتقِل بطبيعتها بين أيدي المستثمرين، وهو ما جعل الجميع يتفِق على أنها مفهوم ذو طبيعة متغيرة لا يحمل وِدّا أبديا لأحد ولا ولاءً لأي جهة، إنها المُتقلِب الدائم الترحال الذي يبقى الثابت الوحيد فيه انه العامل الأهم لنجاح أي شركة او مؤسسة منذ تأسيسها مرورا بممارسة نشاطاتهِا وصولا حتى تصفيتها، وهي وبالرغم من صغر حجمها إلا أنها تحمِل عدة أسماء وألقاب فهي راتب بين يدي الموظف وهي نفسها الأجرة بعد انتهاء عمل الأجير، مُقدِّم الخدمة يُطلِق عليها اسم الرسوم، وفي الشركات قبل التأسيس وبعده تتحول لتصبح رأس المال وهو الشرط الأساسي الذي مهما زاد او نقص لا يُمكِن الاستغناء عنه في معظم دول العالم على الأقل للبدء رسميا بتأسيس شركة أو مؤسسة ما مهما كان مجال عملها او الهدف منها، إنها الفكرة التي يحتال بها الناس دائما على نظام المقايضة القديم الذي كان مُنتشرا في بداية التعاملات التجارية للبشر فيُقايِضونَها بالسِلع بدلا من مقايضة نفس هذه السلع والخدمات بعضها ببعض، فالأوراق النقدية والتحويلات البنكية أسهل وأدق واسرع وغيرها الكثير والكثير من الميزات التي جعلت منها مفتاح العبور للعمل والإنتاج تحت اسم "رأس مال الشركة"، وهنا يأتي السؤال المُهم، فما هو رأس المال ؟ وما هي أنواعه؟ ولماذا يجب توافره بالشركات وما هي أهميته؟ وهل هو قابل للتغيير وكيف يتم تعديله؟. أولا وقبل كل شيء فإنه يجب التعرف على مفهوم رأس المال، من الناحية العامة فإنه يُمكن القول إن رأس المال هو جميع الأموال والمواد والأدوات اللازمة لإنشاء نشاط اقتصادي أو تجاري جديد، وبطريقة أخرى فانه يُمكننا القول بأنه الأصول والموارد المالية وغير المالية التي يجمعها الأفراد والشركات من أجل إثبات قُوتهم الاقتصادية عند تأسيس الشركات، أما من الناحية الاقتصادية فإن رأس المال هو مُصطلح يشمل أشكال الأصول والقِيم الاقتصادية كالمعرفة والخبرات التي يستخدمها الأفراد أو الشركات للبدء بنشاط ما لتحقيق أهداف ونتائج مُحدَّدة، وهو ما يعني أن رأس المال قد يشمل النقد والأسهم والأراضي وأي أشكال أخرى للقيمة الاقتصادية والإنتاجية وحتى المعرِفيّة، وهو ما يدل على ان رأس المال يُمكِن أن يحمل عِدّة أشكال وتصنيفات أهمها من حيث تصنيف طريقة السداد هو ما يلي: رأس المال النقدي أو المالي: وهو الذي يتم تقديمه أو دفعه عن طريق النقود أو الأموال وهو الشكل الأكثر شيوعًا ويتكون في هذه الحالة من الموارد النقدية التي يستخدمها رواد الأعمال والشركات لإيجاد قيمة في شكل منتجات وخدمات. ويمكن أن يشمل هذا الشكل المدخرات والقروض والأسهم والسندات على سبيل المثال. رأس المال المادي: ويشمل هذا الشكل جميع الأصول المادية الملموسة مثل المعدات والمواد الخام وغيرها من المواد التي يتم تقديمها من الشركاء مقابل اسهم تُمثِّل حصتهم في رأس المال على أن يتم تقييمها من قبل متخصِّصين قبل نقل ملكيتها للشركة. رأس المال الفكري أو المجهود المبذول: وهو ما يقوم الشخص بتقديمه للشركة من أفكار أو أعمال أو إبداعات او أي أصول أخرى غير ملموسة مثل العمل أو المجهود البدني الذي سيبذله هذا الشريك لضمان نجاح عمل الشركة وفي هذه الحالة لابد من تقدير قيمة هذه المساهمات الفكرية والابداعية أو الأعمال البدنيِّة التي سيقوم بها هذا الشخص لضمان وجود اتفاق بين الأطراف جميعا. وبالرغم من تنوُّع أشكال رأس المال وتعدُّدها إلا أن أهميته تتمثل في كونه الضمان الأساسي لتوفير الأصول الثابتة والمُهمة للمشروع مثل الأراضي والمعدات بالإضافة لدوره بتأمين الموارد البشرية المُؤهَلة واللازمة للقيام بالأعمال المطلوبة، عِلما أن دوره غالبا ما يمتد ليشمل توفير السيولة المالية اللازمة للتشغيل مثل مرتبات العاملين والمواد الخام وغيرها من المستلزمات وذلك في أولى فترات العمل حيث تبرز أهمية رأس المال بشكل خاص عند التأسيس والبدء بالإنتاج أو النشاط التجاري، كذلك فإن رأس المال يلعب دورا مهما في تعزيِز مركز الشركة المالي وزيادة ثقة المورِّدين والعملاء بها وهو ما جعل بعضهم يصل إلى وضع حدود لقيمة رأس المال كشرط أساسي قبل قبول التعامل مع أي شركة عن طريق الائتمان أو الدفع الآجل. وبالحديث عن قيمة رأس المال فمن المهم معرفة أن رأس المال يُمكن تعديله وتغييره في أي وقت وبناء على شروط وإجراءات يُحددها القانون وعادة ما يكون هذا التعديل إما بالزيادة او التخفيض وهو ما يحدده مجلس إدارة الشركة عن طريق عقد جمعية عامة غير عادية للمساهمين يتم التصويت بها لاتخاذ قرارات في هذا الشأن، وهنا يجب الإشارة إلى أن زيادة رأس المال يمكن أن تتم عبر عدة طرق أهمها: 1- إصدار أسهم جديدة: وهو ما يرفع من قيمة رأس المال عبر إصدار أسهم جديدة مقابل مبالغ مادية تضاف لرأس المال عبر ضم هذه الأسهم الجديدة المُصدرة. 2- رسملة جزء من الاحتياطي أو الأرباح: وهو ما تقوم به الشركة عبر استغلال أرباحها واحتياطاتها السابقة والمُتراكمة، وذلك عن طريق استغلالها وتحويلها للمساهمين على شكل أسهم لزيادة رأس المال بدلا من توزيعها على المساهمين نقدا. 3- تحويل السندات أو الالتزامات إلى أسهم: وهو ما يتم عبر الاتفاق مع الدائنين أو أي جهات أخرى تقوم بسداد بعض من التزامات الشركة وبالتالي تحصل مقابل ذلك على أسهم جديدة بنفس قيمة ما تم سداده من تلك الالتزامات على أن تتم إضافتها لرأس مال في شكل اسهم جديدة يحصل عليها من قام بالسداد. 4- إصدار أسهم جديدة مقابل حصص عينية أو حقوق مُقوَّمة: وهو ما يتم عبر تقديم أصول مادية يتم نقلها لتصبح تحت ملكية الشركة سواء أكانت أراضي أو معدات أو حتى أسهما تبادلية ويحصل من قام بتقديم هذه الأصول على أسهم جديدة ترفع من رأس مال الشركة على أن تكون بنفس قيمة ما قدّمه. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن رأس مال الشركة هو العمود الفقري الذي يجب أن تُبنى عليه جميع تحركاتها وخططها المستقبلية فهو الضمان الأساسي للمساهمين وللمتعاملين مع الشركات، وهو ما يجعل كثيرا من المساهمين يعملون على رفع قيمة رأس المال على فترات طويلة بحثا عن التوسُّع والنمو المستقبلي، فالاحتفاظ بمزيد من السيولة قد يضمن لاحقا إمكانية استغلال أي فرص قادمة، وهنا أتذكر مقولة الفيلسوف اليوناني "أرسطو" حين وصف المال قائلا "المال هو ما يضمن لنا امتلاك ما نريده في المستقبل، ورغم أننا قد لا نحتاج إلى شيء في الوقت الحاضر، فإن المال يضمن إمكانية تلبية أي رغبة جديدة حين تنشأ".