الخارطة الاقتصادية تهيمن على المناسبات الوطنية

في رحلتها من القمة إلى القاع عصفت أسعار النفط المعتلة باقتصاديات دول الخليج، وفي رحلة العودة التدريجية إلى خانة السبعين دولارا بعد أكثر من عامين من القلق والخوف والإجراءات التقشفية والاحترازات الواسعة والوقايات الصارمة المتخذة تنفست القيادات والحكومات الصعداء، فتعافي أسعار الوقود المشغل الأساسي للتنمية في منطقتنا والمصدر المتفرد في قيادة قاطرة الاقتصاد إلى النمو يجعلها - أي القيادات والحكومات الخليجية - في مركز قوة وتمكن من إدارة شعوبها وتحقيق المزيد من الرخاء والازدهار والرضا المجتمعي، والحفاظ على استتباب الأمن والاستقرار وحماية المكتسبات التي تعززت بفضل أسعار الذهب الأسود المنتعشة خلال السنوات القليلة الماضية. وسلطنة عمان التي تحتفل هذه الأيام بعيدها الوطني الثامن والأربعين، تضررت حالها كحال الدول الخليجية من تراجعات أسعار النفط في الأسواق العالمية، ما حفزها للعمل سريعا وبوتيرة عالية على إقرار وتنفيذ عدد من السياسات والمشاريع لتنويع مصادر الدخل وتعزيز الموارد وجذب الاستثمارات وإقامة مناطق اقتصادية وتطبيق سياسات تقشفية لضبط المال العام والتي من المؤمل وفقا لقراءات متخصصة أن تحقق نموا في الموارد خلال الأعوام والعقود القادمة، وهي واحدة من الانعكاسات الإيجابية لتراجع عوائد النفط التي استفادت من دروسها العميقة السلطنة. وتعد منطقة الدقم الصناعية مركز الجذب الاستثماري العالمي، فباعتبارها ممرا رئيسيا للملاحة البحرية وموقعا إستراتيجيا يربط بين قارتي آسيا وأفريقيا اختارتها السلطنة لتصبح منطقة اقتصادية رائدة و(نموذجا للتكامل الاقتصادي) في المنطقة، وتتضمن خارطتها الاقتصادية في مراحلها الأولى خمس مناطق أساسية - قابلة للتوسع والتطور - تشكل رؤية السلطنة في جذب الاستثمارات وتحقيق التنويع وهي: ميناء متعدد الأغراض، ميناء صيد ومجمع صناعات سمكية، مطار إقليمي، منطقة سياحية، منطقة خدمات حكومية، منطقة سكنية حديثة، حوض جاف لإصلاح السفن، وأخيرا منطقة صناعية ولوجستية. واليوم بفضل الجهد المبذول والإغراءات والتسهيلات المقدمة وجاذبية الموقع فإن الشركات العمانية والصينية والسنغافورية والكورية والقطرية والكويتية وغيرها الكثير تستثمر في الدقم في قطاعات ومشاريع واعدة. وعلى مستوى إيرادات السلطنة من الأنشطة غير النفطية فيتوقع أن ترتفع من 2.3 مليار ريال عماني في 2017 إلى 2.7 مليار ريال في 2017. وشهد قطاع الموانئ والمطارات نموا متواصلا على مدى الأعوام الماضية، ومثال على ذلك، قفز ميناء صلالة إلى (المرتبة 39 عالميا في عام 2017م متقدما خمسة مراكز وسجل أعلى مناولة في تاريخه بـ 3.9 مليون حاوية معززا بذلك موقعه الإقليمي والإستراتيجي، فيما يتوقع أن يسجل مطار مسقط الجديد الذي تم افتتاحه رسميا يوم الأحد الموافق 11/‏11 ويعد واحدا من (أفخم مطارات العالم) رقما تاريخيا في عام 2018 ببلوغه (16 مليون مسافر) مقارنة بـ (14 مليون مسافر في 2017م). وإذ تحتفل السلطنة اليوم بعيدها الوطني الثامن والأربعين فإن خارطتها الاقتصادية تتضمن الكثير من الإنجازات والطموحات التي يأمل العمانيون بأن تحقق لهم تطلعاتهم في ارتفاع مستوى الدخل وتوفير الوظائف وتعزيز الإنجازات التنموية والازدهار وتعظيم المكاسب، فنظرا لأهمية ودور الاقتصاد المتنامي في التنمية ورخاء الإنسان، وعلى وقع دروس المرحلة ومستجداتها أضحت الخارطة الاقتصادية هي التي تهيمن على مشهد المناسبات الوطنية في عالم اليوم.