النمو الأبكم 2-2

الاقتصاد وبجميع مكوناته وسياساته يهدف إلى تنمية أفراد المجتمع تنمية فعلية لا وهمية ويلبي احتياجاته الحالية والمستقبلية بمختلف أنواعها. إن الهدف الأساسي للتنمية الاقتصادية هو رفاهية الإنسان ورفع مستوى معيشته، كما أن الهدف الأساسي للتنمية الاجتماعية هو تحقيق أقصى استثمار ممكن للطاقات والإمكانيات البشرية الموجودة في المجتمع. فالتعليم الذي يعتبره الاقتصاديون وسيلة هامة لتحقيق أهدافهم هو هدف السياسة الاقتصادية قبل الاجتماعية، فهو القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها التنمية البشرية، والتي هي عبارة عن عملية توسيع للقدرات الأساسية تؤهل القوى البشرية لبلوغ مستوى راقٍ من الأداء البشري والإنجاز الأساسي، وتتمثل هذه القدرات في وضع صحي متطور ومستوى عالٍ من التعليم والثقافة. وطبقا لنظرية النمو الجديدة، هناك ارتباط وثيق بين التنمية البشرية والنمو الاقتصادي، حيث إن الناس هم القوة الرئيسية المحركة للتقدم الاقتصادي الذي يمتلك عناصر الاستدامة، وهو أساس هذا النمو، والمحدد الرئيسي لنوعيته، فلا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر. النمو الاقتصادي مثلا يولد عمالة متعلمة راقية تساعد على تحقيق إنتاجية عالية، وأمن يضمن الاستقرار البشري، وحرية تعزز التقدم البشري، وعدالة تحمي الحقوق الإنسانية والاجتماعية وتضمن مشاركة أوسع من جميع فئات المجتمع، وتماسكا اجتماعيا يدعم ويضمن مستقبل الأجيال القادمة. ويأتي دور التنمية البشرية والاجتماعية في الاحتفاظ بالنمو الاقتصادي وذلك من خلال الاستخدام الأمثل لعوامل الإنتاج، حيث إنه باستطاعة العمالة المتعلمة المثقفة أن تستخدم هذه العوامل بكفاءة عالية وأن تبتكر وسائل إنتاجية أفضل تؤدي إلى رفع كفاءة عوامل الإنتاج. ولأهمية هذه العلاقة ودورها الإستراتيجي أصبح من الضروري لمتخذي القرار الاقتصادي التأكد من وجودها، حيث إن النمو الذي لا يرتبط بالتنمية الاجتماعية يعتبر نموا غير قابل للاستمرار، لأنه يرتكز على قاعدة ضعيفة لا تتحمل نتائج التغيرات والصدمات الاقتصادية، كما أنه يفتقر إلى الإدارة الفعالة الماهرة القادرة على إيجاد نمو اقتصادي ينتفع به المجتمع. إن التأكد من وجود هذه العلاقة هو عملية تقييم للنمو الاقتصادي وذلك من خلال معرفة اتجاه النمو، ومدى تأثيره على ذوي الدخل المحدود، ومعدل النمو في نصيب الفرد من الدخل، وعدد فرص العمل التي يخلقها هذا النمو، وحجم مشاركة المجتمع في التنمية، بالإضافة الى معرفة مدى مساهمة النمو في تطوير الوعي الثقافي. ينبغي ألا ينظر إلى النمو الاقتصادي كغاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق رغبات المجتمع. وقد أثبتت التجارب الدولية أن النمو ذا المعدلات العالية غير المتوازن ليس له مستقبل ويحمل في طياته سلبيات عديدة، وذلك لأنه لا يتيح فرص عمل للأفراد ولا يحمي الفقراء. ويتواجد هذا النمط من النمو في العديد من البلدان التي يرتفع فيها متوسط معدل البطالة وينخفض فيها متوسط الدخل، ويكون المستفيد الأكبر من النمو هي الطبقة الغنية التي تمثل نسبة قليلة من المجتمع. أو تلك الدول التي يتميز فيها النمو الاقتصادي، حسب تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة، "النمو الأبكم"، وهو النمو الذي تتقلص فيه المشاركة الاجتماعية والاقتصادية وذلك لمنع الأصوات البديلة.