الوقت.. صانع الثروات

الوقت... هذا المتغير الغريب الذي يمر ليُغيِّر مع مروره قيمة الأصول فترتفع بفعل التضخم وغيره من العوامل أو تنخفض بفعل الاستهلاك والاستخدام، عوامل ومتغيرات كثيرة دائما ما كان الوقت كفيلا باستغلالها للوصول بأسعار الأصول إلى مستويات جديدة تغري المستثمرين أو تجعلهم يُمسكون لِجام أموالهم بحثا عن فرص جديدة أكثر إغراء لهم، نعم إنه الزمن قاهر الأشياء والكفيل وحده بتغيير الموازين الاستثمارية والمالية للمؤسسات والشركات لتتحول بعضها من استثمارات كبيرة إلى أصول مُتقادمة مُتهالكة ومن شركات تتدفق فيها العوائد إلى شركات تُمسَك فيها الأموال وتُحبس فيها السيولة. أيام وأسابيع وشهور تزيد قيمة ما نملك فتجعل بعض مالكي العقار من طبقة الأثرياء وأصحاب الأملاك وتُحوِّل بعض مالكي العقارات الأخرى إلى أثرياء سابقين كانوا يملكون أصولا ثمينة باتت اليوم في عِداد المفقودين على قوائم أصحاب الملايين، استثمارات عديدة تعتمد في تقدير أصولها على الوقت، فمنها من يراه البعض مُجدِيا ومفيدا ومنهم من يعتبره البعض الآخر غير ذي قيمة مُغرية لهم على الأقل من الناحية الاستثمارية، وهنا تبرُز العلاقة المهمة بين العائد والوقت فيظهر السؤال المهم، ما هي طبيعة وأهمية تلك العلاقة؟ وكيف تتأثر بعضها ببعض؟ وما هي الشروط والواجبات التي يجب أن يعرفها المستثمرون لتحقيق الاستفادة الكُبرى من هذه العلاقة؟ بداية فإنه ومن الناحية العامة فإن الاستثمار الناجح يقوم على أساس عدة عوامل مهمة يأتي على رأسها نسبة المخاطرة الموجودة والعائد المُتوقع تحصيله والوقت الذي قد يحتاجه هذا الاستثمار لتحقيق العوائد المرجُوّة منه، وهنا يجب الإشارة إلى أن العلاقة بين الاستثمار والعائد هي علاقة طردية بمعنى أن قيمة الاستثمار يجب أن تتناسب مع الوقت الذي قد يحتاجه المُستثمر لتحقيق الأرباح واسترداد أمواله، فكلما زادت مُدة الاستثمار زادت نسبة الأرباح السنوية المُنتظرة والعكس صحيح، فكلما كان الاستثمار أسرع وأقل وقتا في تحصيل العوائد كانت الأرباح المُتوقعة منه أقل، وهو ما يجعل المستثمر طويل الأجل أكثر تحقيقا لنسبة الربح السنوي من المستثمر السريع أو قصير الأجل، فالوقت له ثمن وثمن هذا الوقت يجب أن يُترجم إلى أرباح سنوية أو شهرية يحصل عليها المستثمرون في صورة عوائد وأرباح، هذه العلاقة الصحيّة وهذا المنطق الاستثماري الصحيح يفرض نفسه بالبنوك فتجد الحسابات الشخصية مُقسّمة إلى حسابات ادخار أو حسابات توفير على أن يتم تحديد نسبة الفوائد السنوية في كل منها بناء لمدة الإيداع المُتفق عليها، مع العلم أن هذه الحسابات تقوم على مبدأ عدم القدرة على سحب أي أموال منها حتى انتهاء مُدة الإيداع المُتفق عليها، فتجد أن الحسابات المُجمّدة لسنة مثلا تُحقّق فوائد سنوية تزيد كثيرا عن تلك التي يتم تجميدها لشهر واحد مثلا.  أما بالحديث عن السندات مثلا فمن المعلوم والمُتعارف عليه في هذا السوق وباتباع نفس المنطق فإن عوائد السندات السنوية غالبا ما تتناسب مع مدة استرداد استثمارات هذه السندات والتي هي عبارة عن الوقت الذي يحتاجه المستثمر لاسترجاع أمواله واستثماراته التي دفعها ثمنا لهذه السندات، فالسندات التي تُستحق بعد سنة مثلا تُعطي فوائد أقل بكثير من تلك التي تحمل تاريخ استحقاق بعد عشر سنوات، وهو ما يجعل مدة الانتظار الطويلة اللازمة لاسترداد الأموال مُبرّرة من الناحية الاستثمارية. كذلك فإنه ومن الناحية المحاسبية فإن فكرة الاستهلاك الخاصة بالأصول والتي تُعتبر مصروفا سنويا تتحمله الشركات، هي فكرة تقوم على مبدأ مرور الوقت وهو ما يربطه معظم المحاسبين وبشكل مباشر بمدى انخفاض قيمة الأصول المُستخدمة وهو أيضا ما يجعل القيمة الدفترية لمُعظم الأصول تنخفض مع مرور الوقت باستثناء الأراضي الفراغ وهي أحد الأصول القليلة جدا والتي لا تخضع لمبدأ خسارة القيمة مع الاستخدام ومرور الزمن. وهنا يجب التنويه إلى أن عامل الوقت وبالرغم من أهميته إلا أنه يرتبط بعامل التضخم وهو الخطر الحقيقي الذي يواجه المستثمرين طويلي الأجل وهو أيضا ما يجعل أموالهم وفي بعض الأحوال تواجه خطر خسارة القيمة أو فقدان القوة الشرائية ولذلك فإن المستثمر الذكي يجب أن يوازن بين معدلات التضخم المُتوقعة وبين الأرباح التي يُمكن أن يُحققها بالسنوات القادمة وهو ما يجعل قراره الاستثماري سليما ولو من الناحية النظرية، وهنا يظهر الحدث المهم الذي شهدناه في الأيام الماضية، حيث شهدنا انعكاس منحنى عائد سندات الخزانة الأمريكية، للمرة الأولى منذ عام 2019، في إشارة اعتبرها المراقبون رسالة تحذيرية واضحة إلى «وول ستريت» والاقتصاد الأمريكي تحمل بين سطورها احتمالات حدوث ركود محتمل، خصوصاً بعد أن دفع مستثمرو السندات أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى النقطة التي أصبحت فيها العوائد على السندات الآجلة لعامين أعلى من نظيرتها ذات الأعوام العشرة، فهذا الانقلاب في المعايير الاستثمارية وهذا الانعكاس غير المُطابق للعلاقة التاريخية بين الوقت والاستثمار، تدق وبشكل قوي ناقوس الخطر فوق رؤوس المستثمرين لتقول لهم وبالعامية الدارجة "هناك شيء خاطئ"، نعم فتلك الثوابت الأساسية في قوانيننا الاستثمارية لا يُغيرها إلا حالة استثنائية من الدورات الاقتصادية وهو ما يزيد من مستوى الحذر إلى أعلى الدرجات، وبالشرح السريع لأهم أسباب هذا الانعكاس فهو وبشكل مُبسّط يعود إلى أن عوائد السندات الحكومية الأمريكية قصيرة الأجل ارتفعت بسرعة هذا العام بسبب توقعات أن يتم إقرار سلسلة من عمليات رفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الأيام القادمة، في حين أن عائدات السندات الحكومية طويلة الأجل تحركت بوتيرة أبطأ وذلك بسبب المخاوف من أن تشديد السياسة النقدية قد يضر بالاقتصاد على المديين المتوسط والطويل، ونتيجة لذلك فقد كان شكل منحنى عائد الخزانة مستوياً بشكل عام، بل ومعكوسا في بعض الحالات حيث ارتفعت السندات قصيرة الأجل بشكل أكبر من ارتفاع السندات طويلة الأجل وهو ما عكس مُنحنى العوائد. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن الوقت هو الأصل الأكثر ثمنا في هذه الحياة فهو من الأشياء النادرة التي لا يُمكن التحكم بها أو تمديدها وبالتالي فهو وبالرغم من وجوده التلقائي إلا أنه لا يُقدّر بثمن وبالتالي فإن عملية استغلاله وبناء القرارات الاستثمارية على أساسه قد تكون هي الخيار الأفضل والأكثر منطقية على أن تكون هذه القرارات مبنيِّة على دراسة كاملة للمتغيرات الأخرى مثل القدرة الشرائية والتضخم ومستقبل الاقتصاد وغيرها من المعطيات الأخرى، وهنا أتذكر المقولة الشهيرة "عندما تُسيء استخدام الوقت، فأنت تُبدد المورِد الوحيد الذي لا يُمكن استرداده في هذه الحياة".