يصف الكاتب عالم اليوم الذي يحكمه اقتصاد السوق الحر بأنه (عالم مثير للحيرة والارتباك، فكل شيء فيه له علاقة وثيقة بالأشياء الأخرى: البورصة في شانغهاي على علاقة متينة بمثيلتها في نيويورك، والقروض والعقارات الأمريكية على صلة وثيقة بالمدخرات الألمانية، وفرصة العمل في فيتنام وثيقة العلاقة بفرصة العمل في برلين، والين الياباني على ارتباط متين بالعملة الصينية..). مضيفا بأن إصدار المصارف لأوراق مالية (مكفولة بقروض عالية المخاطر المشكوك في قيام المقترضين بتسديدها) والتي انتقلت من (مستثمر إلى آخر) تحولت إلى (قنبلة عظيمة الطاقة التفجيرية) فهي بمثابة ثورة (خلقت عشرات الآلاف من المؤسسات الجديدة الناشطة في أسواق المال)، والتي تتاجر بـ(الأسهم والقروض وأوراق مالية غاية في التعقيد). ومصارف استثمار لا يتوافر لها زبائن يحتفظون لديها بودائعهم وحساباتهم الجارية وإنما تستدين ما تحتاج إليه من أموال من أسواق المال. ولا تخضع لرقابة مالية صارمة فالبنك المركزي غير مسؤول عنها، وهكذا (صارت بيوت المال الناشطة في ((وول ستريت)) تخضع إلى قيود واهية إلى حد ما، وتستطيع تحقيق أعظم الأرباح). منذ الكساد المالي الذي ضرب العالم في الثلاثينيات من القرن الماضي مرورا بأزمة دول شرق آسيا والمكسيك وغيرها وانتهاء بأزمة 2007 - 2008 قدم المؤلف عرضا للأوضاع الاقتصادية التي شهدها العالم وأزماته المالية كاشفا ثغرات الرأسمالية والهوة العميقة بين التنظير الذي يرفع شعار حرية السوق وإفساح المجال لها لتصلح نفسها بنفسها بعيدا عن تدخل الدولة، وبين التطبيق الذي كشفت الأزمة المالية في 2008 فشله، فلم تتمكن الأسواق من استعادة قوتها ونشاطها إلا بتدخل الدول التي اضطرت إلى الإعلان (لمواطنيها أنها تضمن كل ما في حساباتهم المصرفية من مدخرات)، فيما أعلن وزير الخزانة السابق البريطاني (خطة إنقاذ تتكون من 400 مليار جنيه) وفي ألمانيا قررت ميركل تخصيص (500 مليار يورو) لإنقاذ الاقتصاد الألماني. وفي أمريكا (هرول وزير الخزانة هنري باولسون إلى مبنى الكونغرس ليشرح للنواب خطته القاضية بأن تخصص الدولة 700 مليار دولار أمريكي لإسعاف وول ستريت). وعندما رفض الكونغرس مشروع الإنقاذ (انهارت أسعار الأسهم انهيارا كبيرا حيث خسر الداو جونز 777 نقطة مقدارا ما له مثيل في سابق الزمان). الفصل الأخير من الكتاب الذي أطلق عليه المؤلف (برنامج مضاد للسقوط في الهاوية) ضمنه جملة من الأفكار والابتكارات لحماية اقتصاديات العالم من الانزلاق إلى (الهاوية)، من أهمها: يجوز للدولة إسعاف المصارف في مقابل إخضاعها لتوجيه حكومي صارم. فرض ضوابط صارمة على صناديق المخاطر. منع المتاجرة بالبضائع المالية العالية المخاطر. وضع سقف علوي للرواتب التي يتقاضاها كبار موظفي المصارف. قيام سلطة رقابة عالمية للرقابة على أسواق المال. إزالة الواحات الضريبية من العالم. التخلي عن سرية الحسابات المصرفية التي تدر النفع على الأغنياء. زيادة العبء الضريبي على الأغنياء وتخفيفه عن كاهل الطبقة الوسطى. ضرورة فرض حد أدنى لأجور جميع العاملين. ضرورة تقديم تعليم أفضل للشرائح الدنيا من المجتمع. التوسع في الإنفاق عندما يتعرض الاقتصاد الوطني لركود عنيف. في أيام الرخاء على الدولة أن تدخر لا أن تواصل الاقتراض. يجب أن يكون الاقتصاد مرنا إلى أبعد حد ممكن. وختم كتابه مؤكدا على أن (الاقتصاد الناجح في حاجة إلى الأمرين: دولة لا تتدخل بقوة وصرامة في حقب الأزمة فقط، بل تراعي أيضا أهمية أن ينمو الاقتصاد ويتطور في حدود بينة المعالم وبأوسع مدى معقول من الحرية).