السعر العادل لبرميل النفط

في العام 2008 أعلن العاهل السعودي وقتها، عبد الله بن عبد العزيز، أن سعرا يتراوح بين 75 و80 دولارا للبرميل سيكون مجزيا للجميع. وتتالت التصريحات لتفسير هذا الرقم، وتمحورت حول ثلاث نقاط أساسية: إن ذلك المعدل السعري تم تحديده ليتمكن المنتجون من الحصول على عائد معقول لبيع سلعتهم الناضبة تلك، وكذلك لتشجيع المنتجين الهامشيين أو ذوي التكلفة العالية ليستمروا في الإنفاق وإضافة إمدادات جديدة إلى الأسواق عبر صيغ مجزية اقتصاديا، وأخيرا فإن هذا المعدل السعري يبدو ملائما لضبط الاستهلاك بصورة معقولة، إذ إن الأسعار المنخفضة تشجع على الاستهلاك المفرط كما أن الأسعار العالية لها تأثير ضار يتمثل في خمود الطلب. كانت تلك أول مرة يتم الحديث فيها عن سعر معين منذ أن اعتمدت أوبك مطلع هذه الألفية فكرة النطاق السعري الذي يتراوح بين 22 و28 دولارا للبرميل وذلك بدلا من إستراتيجية السعر الثابت والدفاع عنها عبر التحكم في الإنتاج. السوق النفطية شهدت معظم سنوات العقدين الماضيين طلبا مستمرا انعكس في ارتفاع للأسعار وصل إلى 147 دولارا للبرميل ثم انخفاض إلى ما دون 50 دولارا كما هو الوضع الآن، إلا أن الاتجاه السائد بقيادة السعودية، أن يترك الأمر للسوق لموازاة العرض والطلب وهي السياسة المتبعة منذ عامين ومن نتائجها أن معاناة الكل أصبحت جلية بسبب ضعف الأسعار خاصة أن معظم الدول المنتجة تعتمد على الإيرادات النفطية لتسيير شؤونها. ومع التحركات التي تجري حاليا لاتخاذ إجراء ما مثل تجميد الإنتاج عند مستوى معين لوضع أرضية سعرية تسربت بعض الاقتراحات بألا يتجاوز سعر البرميل 60 دولارا وذلك حتى لا يفتح المجال أمام أي طفرة سعرية إنعاشا لصناعة النفط الأمريكية خاصة في ميدان البترول الصخري، التي أصبحت المهدد الرئيسي لصناعة النفط التقليدية كونها ساعدت أكبر مستهلك للبترول في العالم على الاستغناء عن الكثير من واردات النفط الأجنبي وأهم من ذلك أنها فتحت الباب واسعا أمام تقنية جديدة تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل الصناعة النفطية التقليدية. لكن بعيدا عما ينوي المنتجون عمله، فإن واقعا جديدا أصبح قيد التشكيل ومن ذلك ما كشف عنه تقرير للوكالة الدولية للطاقة الأسبوع الماضي أن حجم الاستثمارات في ميدان العمليات الأمامية مرشح للانخفاض بنسبة 24 في المائة هذا العام، وإذا أضيفت هذه النسبة إلى التراجع المسجل العام للماضي وبلغ 25 في المائة فإن ترجمة هذه النسب بالأرقام تعطي صورة أوضح، إذ تحدد مبلغ 583 مليار دولار من الاستثمارات التي تم استبعادها خلال العامين الماضيين، وهي ظاهرة لم تحدث منذ 40 عاما كما أوضح تقرير الوكالة. وهذا الوضع وبأي مقياس عبارة عن بذر لبذور أزمة إمدادات مستقبلية لا يبدو أن هناك جهة راغبة أو قادرة على مواجهتها.