الاقتصاد الديناميكي

اهتمت البنوك المركزية بالدول الصناعية الغربية الكبرى في الآونة الأخيرة بقضايا النمو والتجارة والاستثمار، وهي أمور تعد خارج إطار أهدافها الأساسية والتي تتمثل في رسم وإدارة السياسات النقدية وتحقيق الاستقرار في الأسعار والتحكم بنسب التضخم بغض النظر عن معدل النمو الاقتصادي، حيث عقد المصرفيون العالميون اجتماعهم السنوي لهذا العام بولاية وايومينج الأمريكية تحت عنوان «تعزيز اقتصاد عالمي ديناميكي»، كما اختار البنك المركزي الأوروبي موضوع «الاستثمار والنمو في الدول المتقدمة» ليكون العنوان الرئيسي لاجتماعهم. وفيما يؤيد بعض من الخبراء هذا الاتجاه فإن البعض الآخر يعترض على هذه الفكرة ويرى ضرورة تركيز البنوك المركزية على أداء دورها المباشر، ويدللون على ذلك بأنه منذ قيام الاتحاد الأوروبي وكان البنك المركزي الأوروبي هو المسؤول الوحيد عن رسم وتحديد السياسات النقدية لهذا الاتحاد رغم صعوبة المهمة في ظل اضطراب الأسواق في هذه الفترة بسبب تصاعد الأزمة الآسيوية في عام 1997 وارتفاع معدل البطالة لأكثر من 10%، وما استتبع ذلك من ارتفاع مؤشر التقلبات في سوق الأسهم «في آي اكس» إلى نحو 44% في أغسطس 1998 وظل عند مستوى 30% خلال السنوات الأولى لعملة اليورو. وبينما يؤكد بعض من الخبراء تشابه الظروف أمام البنك المركزي الأوروبي مع بداية طرح عملة اليورو واليوم ومن ثم اضطرار البنك لاتباع نفس السياسات النقدية الانكماشية، فإن البعض الآخر يرى أن الوضع الراهن يعد أفضل، فالأسواق المالية أكثر استقرارا ومؤشر التقلبات لا يتجاوز 12% ومتوسط معدل البطالة عند 9,3% وإن ظل معدل التضخم ثابتاً تقريباً في الوضعين، بما يشير إلى وجود إمكانات اقتصادية غير مستغلة. ولعل عدم الاستغلال الأمثل للإمكانات الاقتصادية غير المستغلة هو ما أثار الكثير من الجدل حول إصرار البنك المركزي الأوروبي على استكمال السياسات النقدية غير التقليدية كبرامج التيسير الكمي وشراء السندات والديون وأسعار الفائدة السلبية، حيث يرى أصحاب هذا الرأي أن هذا التناقض لا يقتصر على أوروبا فقط وإنما ينطبق على العديد من الدول الكبرى الأخرى. ويؤكد هذا الفريق من الخبراء والمحللين على تشابه الوضع بالولايات المتحدة الأمريكية تماماً مع الوضع الأوروبي من حيث تشابه وضع التضخم والعمالة في الوقت الراهن مع ذات الوضع منذ عشرين عاماً مضت حين بلغ معدل التضخم الأساسي بها 2% ومعدل البطالة أقل من 5% وهو الأمر الذي اضطر السلطات النقدية حينها إلى إقرار سعر فائدة بنحو 5%، أما اليوم ورغم تشابه كافة الظروف فإن المركزي الأمريكي يبقي على أسعار الفائدة دون 1,5% أي بأقل بنحو 350 نقطة أساس عن أسعار الفائدة في عام 1999. وكعادة جميع الأفكار والنظريات الاقتصادية التي تنقسم بين مؤيد ومعارض، فإن البعض يرى أهمية قيام البنوك المركزية بالتركيز على ضرورة وجود اقتصاد عالمي ديناميكي يدفع عجلة النمو والتنمية وينشط عمل البنوك ويزيد من فعاليتها.. فيما يرى البعض الآخر ضرورة عودة البنوك المركزية للقيام بدورها الأساسي لتحقيق أهدافها الأصيلة التي أنْشِئَت من أجلها والمتمثله في رسم وتنفيذ السياسات النقدية والتحكم بمعدلات الأسعار والتضخم.