«المستقبل.. ستة محركات للتغيير العالمي» - الجزء الثاني

يؤمن الكاتب بأن النظام الديمقراطي والرأسمالية يمتلكان المكنات والقدرة لخدمة العالم سياسيا واقتصاديا، وضمان حياة مزدهرة قادرة على تحقيق متطلبات واحتياجات الإنسان ومعالجة مشكلاته، شرط إخضاعهما للمراجعة والإصلاح، معترفا في الوقت ذاته، بتراجع القيم الديمقراطية بشكل كبير في الولايات المتحدة الأمريكية، «للأسف فإن تراجع الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية قد حط من قدرتها على التفكير الجماعي الواضح، وأدى إلى سلسلة من القرارات السياسية بشكل ملحوظ إزاء القضايا المهمة والحاسمة، وترك المجتمع العالمي بدون دفة قيادة توجهه..» ويعود ذلك حقيقة إلى «قرصنة الديمقراطية الأمريكية» بسبب هيمنة الشركات ولوبي المصالح والأعمال ومجموعات الضغط التابعة لها فـ «كونغرس الولايات المتحدة، الذي يجسد الهيئات التشريعية الوطنية المنتخبة ديمقراطيا في العالم الحديث، عاجز عن تمرير قوانين من دون الحصول على إذن من مجموعات ضغط» الشركات والأعمال والتجارة التي «تتحكم في عمليات تمويل حملاتها الانتخابية». وتوقف الكاتب أمام محطات تاريخية فاصلة عززت من نمو وتوسع الشركات في أوروبا على وجه العموم، والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، وتعميق جذورها وترسيخ أركانها وتسيدها من ثم على القرارين السياسي والاقتصادي لتحقيق مصالح شركاتها وتوسيع نطاق أعمالها، ودخول قوى جديدة ناشئة باستمرار تنافس على السيطرة على السوق، مما أضعف القيم والممارسة الديمقراطية الحقيقية، حيث «هيمنت الثروة وسلطة الشركات على عمليات الحكومة». فعلى «مدى الأربعين سنة الماضية، وبموجب خطة باول، لم تركز الشركات والأيديولوجيون المحافظون على اختيار قضاة المحكمة العليا المؤيدين لقضيتهم والمؤثرين في قرارات المحكمة فحسب، وإنما أيضا سعوا بجهود حثيثة إلى التأثير في صياغة القوانين وتشكيل السياسات لتوسيع سلطة الشركات». تعمق الكاتب في استعراض التحولات الأبرز التي يشهدها الاقتصاد العالمي، ممثلة في تطور ونمو وجودة الانتاج، وتكلفة العمل والأجور، وتأثيرات المشتقات الاقتصادية التي ظهرت حديثا على الاقتصاد بشكل عام، والتقدم التكنولوجي والروبوتات وانعكاساتها على سوق العمل، وانخفاض التكلفة الإنتاجية في قطاع التكنولوجيا خاصة وضعت الكثير من السلع في متناول الطبقات الكادحة، فأجهزة التلفزيون ذات «الشاشات الكبيرة والجودة العالية» على سبيل المثال تنخفض بنسبة «٥% كل عام»، وأفول وظائف ومهن وتخصصات ونشوء ونمو أخرى ذات مهارات وكفاءات مختلفة... أخذا في الاعتبار ما يشهده «الاقتصاد العالمي من تحولات بفعل تغيرات تفوق في سرعتها وحجمها أي تغيرات سابقة حصلت في تاريخ البشرية». ما جعل من «المهن الشائعة سابقا بالية وقد عفى عليها الزمن فيما ظهرت مهن جديدة تتطلب مهارات جديدة وإعادة فهم ما يعنيه أن يكون المرء منتجا»، حيث الكثير من المؤسسات التجارية المألوفة «تكافح من أجل بقائها: الصحف، ووكالات السفر، والمكتبات، ومتاجر الموسيقى، وشركات تأجير أشرطة الفيديو، ومحلات التصوير الفوتوغرافي هي من بين الأمثلة الأولى للمؤسسات المعروف بشكل شائع أنها تواجه أمرا رسميا مدفوعا تكنولوجيا يفرض عليها إما أن تتغير بشكل جذري أو تختفي من الوجود». ولا شك بأن هناك مهنا ووظائف أخرى في الطريق سوف تختفي تدريجيا، فالطابعات ثلاثية الأبعاد الضخمة أصبحت قادرة على أن «تذهب إلى موقع البناء وتطبع منزلا كاملا في غضون عشرين ساعة فقط»، ويتوقع الخبراء أنه في «غضون السنوات القليلة المقبلة ستكون هذه الآلات قادرة على إنتاج مئات الآلاف من قطع الغيار والمنتجات المتطابقة» ولنتخيل كم من الوظائف سوف تصبح من الماضي بفضل هذه الطابعات فقط.