الشهرة.. كما يراها المحاسبون

 الشركات كما الأشخاص، لها دورة حياة كاملة تبدأ بالتأسيس أو ما يُسمى بالولادة وتنتهي بالتصفية او ما نٌطلق عليه اسم الموت لدى البشر، هذه الدورة الطويلة المتكاملة غالبا ما تمر بفترات مُتناغمة بين الرخاء والشدة، وكما ان الناجحين من البشر يُعتبرون أمثلة مُلهمة للنجاح ويتحولون لمشاهير يُتابع الناس تفاصيل حياتهم اليومية، كذلك الشركات والتي ما أن تنجح وتحقق الأرباح المُتميزة حتى تنتشر أخبارها بين الناس، فيتداولون أنباءها ويتناقلون تصريحات مسؤوليها المختلفة، وهو ما يخلق لاحقا حالة من الثقة والمعرفة بجميع منتجات هذه الشركات وهو وبشكل مباشر أو غير مباشر ما يتحول الى مفتاح أساسي لزيادة المبيعات ورفع الإيرادات، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي الشهرة الخاصة بالشركات، وما هي أنواعها وكيف تتكون؟ وكيف يتم ترجمتها الى أموال؟ وهل يمكن أن تظهر في القوائم المالية المعلنة للشركات؟ أولا وقبل أي شيء فإنه في عالم المحاسبة ولفهم تعريف الشهرة فإنه يجب أولا معرفة أن أصول الشركة تنقسم الى نوعين رئيسيين، النوع الأول وهو "الأصول الملموسة" وهي جميع الأصول والموجودات التي تملكها الشركة ويكون لها كيان مادي ملموس مثل السيارات والأبنية والمعدات وغيرها الكثير، أما النوع الثاني فهو "الأصول الغير ملموسة" وهو عبارة عن أصول ذات قيمة تملكها الشركة ولكنها – أي الأصول- لا تملك كيانا ماديا ملموسا يُمكننا من قياسه أو وزنه أو تحديد قيمته بالطرق التقليدية، وخير مثال على ذلك هو " شهرة الشركة أو سمعتها وقيمة علامتها التجارية" والتي وبالرغم من قيمتها المرتفعة في بعض الأحيان الا انها تبقى اصلا غير موجود من الناحية المادية، وبالعودة لتعريف الشهرة فانه يمكننا القول وبشكل بسيط ومباشر بأن الشهرة هي الموجودات أو الأصول غير الملموسة ماديا والتي تملكها الشركة مثل سمعة الشركة في السوق وقوة علامتها التجارية وعلاقة الثقة المتبادلة مع عملائها وبراءات الاختراع الخاصة بها وغيرها الكثير والكثير، والتي جميعها بشكل او باخر عوامل يمكن أن تساهم في إعطاء ميزة تنافسية لمنتجات او خدمات هذه الشركة، وهو ما يؤدي لاحقا الى زيادة الطلب على منتجاتها وبالتالي تحقيق إيرادات وارباح تفوق مثيلاتها من الشركات المنافسة الأخرى و التي قد تمتلك منتجات ذات نفس المستوى أو الجودة، ولنا في منتجات شركات عديدة مثل ابل، مايكروسوفت وسامسونغ او تويوتا خير مثال على ذلك. هذا ويعتبر الخبراء المحاسبيون ومن وجهة نظرهم أن الشهرة وبالرغم من كونها من أبرز الأصول الغير ملموسة الا انها أيضا من أكثرها تعقيداً وجدلاً، وذلك لأنها وحسب المبادئ المحاسبية احدى الأصول التي لا يمكن بيعها أو مبادلتها بصورة منفصلة في السوق، وبالتالي لا يمكن فصلها عن المنشأة فهي لا تظهر كقيمة في ميزانيات معظم الشركات إلا في حالات الاستحواذ او الاندماج أو البيع وهو امر تقني يدرك كثير من المحاسبين مدى أهميته وتأثيره على ميزانيات تلك الشركات. أما بالحديث عن كيفية حساب قيمة الشهرة فان الشرح قد يطول وبالتالي فانه وباختصار ومن وجهة نظر محاسبية يمكن القول بأن قيمة الشهرة هي الفرق بين القيمة الاجمالية للمنشأة بسعر السوق وإجمالي القيمة الدفترية العادلة لصافى أصول نفس الشركة، اي انها الفرق بين القيمة المتفق عليها في حالة البيع او الاندماج مثلا والقيمة الدفترية الناتجة عن طرح القيمة العادلة لكل من الأصول والمطلوبات لنفس الشركة وهي عملية تقنية قد يصعُب تقديرها على غير المتخصصين. وأخيرا وبرأيي الشخصي فان الشهرة وبشكل مُبسّط هي قيمة سمعة الشركة المعنوية والتي تظهر في قيمة الطلب على منتجات الشركة وخدماتها نتيجة عدة عوامل من أهمها جودة المنتجات و الخدمات المُقدمة والتميز في تقديمها، بالإضافة الى فريق العمل المُثابر والإدارة الناجحة وهو الامر الذي غالبا ما يترك اثره على الأسواق بخلق درجة عالية من الثقة باي منتج تقوم هذه الشركة بطرحه للمستهلكين وهو ما يولِّد لاحقا إيرادات مرتفعة تستفيد منها الشركة على مستوى المبيعات وتحقيق الارباح وهو الهدف الأهم لكثير من المنشآت، وهنا يجب الإشارة الى انه وفي بعض الأحيان فان الشهرة نفسها والثقة الزائدة بالنفس لدى بعض الشركات والتراخي في الاستمرار بالبحث عن ما يحتاج له المستهلك حقيقةَ، قد يُعطي فرصة ذهبية للمنافسين لاستغلال هذا الشعور الخاطئ بالسيطرة على الأسواق للتوسع والنمو بل وحتى لسحب زمام المبادرة من يد هذه الشركات الرائدة، وهو ما رأيناه في كثير من الحالات، وهنا استذكر مقولة محمد البشير الابراهيمي وهو المفكر الجزائري حين قال" لا تأبه بالصيت الطائر في المجامع والاسم الدائر على الألسنة والشهرة السائرة في الآفاق ما لم يكن من ورائها أعمال نافعة وآثار صالحة وثمرات طيبة " و كذلك أتذكر مقولة الاديب البريطاني " روديارد كبلينغ" حين قال " لا تفرط في الاهتمام بالثروة، أو السلطة، أو الشهرة، وإلا فإنك ستقابل يوماً ما شخصاً لا يبالي بأي من تلك الأشياء، وسوف تدرك حينها إلى أي مدى أصبحت فقيرا".