الوظائف العمومية.. مصلحة عامة

اعتبر الدستور القطري في مادته 54 أن التعيين في الوظائف العمومية خدمة وطنية تستهدف المصلحة العامة، على أساس ضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين المنصوص عليه في المادة 19 من الدستور.  ولقد نظم قانون الموارد البشرية المدنية رقم 15 لسنة 2016 كيفية الولوج إلى الوظائف العمومية في قطر، وربط التعيين في الهيكل الوظيفي بالاحتياجات الفعلية والاختصاصات المناسبة، مع الأولوية في التوظيف للباحثين عن عمل المقيدة أسماؤهم بوزارة التنمية الإدارية والعمل والشؤون الاجتماعية من بين المواطنين القطريين أولاً ثم الباحثين من جنسيات أخرى، شريطة الاختيار على أساس الجدارة فقط.  يستفاد من النصوص القانونية المذكورة أن المشرع القطري جعل من التعيين في الوظائف العمومية حقاً مشتركاً بين الراغب في العمل وبين الجهة الحكومية، الغاية منه تحقيق التوازن بين المصلحتين، فمن زاوية يحق للمواطن استثمار معارفه وقدراته في الوظائف العامة بما يخدم صالح البلاد، ومن زاوية أخرى تفترض المصلحة العامة التوظيف في حدود الاحتياج الفعلي للجهة الحكومية وفق الشروط والخصاص التي تناسب طبيعة سير العمل فيها.  ومن هنا تبرز أسباب الإكراه الذي يواجه أغلب الباحثين عن عمل خصوصا حديثي التخرج والمتمثل في اشتراط الخبرة، فكثيرا ما تتوفر في الراغب في العمل جميع الشروط اللازمة لكن ينقصه شرط الخبرة، والذي يكون غالبا عبارة عن ضرورة استيفاء عدد من السنوات في العمل بنفس المجال أو نفس المهام المطلوبة لشغل الوظيفة، فالباحث عن عمل يرى هذا الشرط مجحفاً في حقه ويعيق من فرصه، في حين تعتبر الجهة الحكومية أن الذين راكموا تجارب سنوات طويلة هم الأجدر بالتعيين في الوظائف تطبيقاً للنصوص القانونية التي تستلزم التوظيف بالاعتماد على الكفاءة والاختصاصات المتناسبة.  وفي حقيقة الأمر، كلا التوجهين صائبان، والمطلوب تحقيق التوازن والمرونة بين المصلحتين، فالخبرة شرط أساسي للتعيين في بعض الوظائف التي تقتضي طبيعتها توفر الموظف على تجارب مهنية ولا تسعف الكفاءة العلمية وحدها في إنجازها، وفي وظائف أخرى يكون حديث التخرج أكثر عطاء وقدرة على تطوير العمل والابتكار، ولا يحتاج الأمر سوى تأطير الإدارة بما يضمن بيئة عمل محفزة على الإبداع والتعاون بين جميع المكونات.