أنواع الاقتصاد.. من كل ضرب ولون

الاقتصاد ذلك العالم الواسع الكبير، هو سبب رئيسي لمعظم الحروب وهو المحرك الأساسي للثورات والثروات، فبالرغم من كونه فرعا أساسيا من فروع العلوم الاجتماعية إلا أنه الأب الروحي للتحركات والانتفاضات الشعبية وهو بنفس الوقت الوريث الشرعي للتجاذبات السياسية فهو علم يمَس الناس في جيوبهم كما يمسهم في مُدّخراتهم، وبالتالي فقد تحوّل إلى حالة توصف بها أحوالهم وتُلخّص بها معيشتهم ككُل فنقول لنصف أوضاعنا الحياتية "كنا نعيش في رخاء" أو "كانوا يعيشون حالة من الركود"، نعم إنه العلم الذي يولد بالفطرة مع كل إنسان ليستخدمه لاحقا في تدبر أمور حياته ومن ثم تحسين أوضاع معيشته، فبالاقتصاد نعمل وبه ندّخِر وبه نستثمر وعن طريقه نصرِف وندفع نفقاتنا اليومية. وبالرغم من أن علم الاقتصاد هو علم مُتشعِّب ويضم الكثير من المفاهيم والمصطلحات إلا أنه وبنفس الوقت علم يعتمد على مجموعة كبيرة من العلوم فهو وبالرغم من جمود مصطلحاته إلا أنه خفيف الحركة دائم التنقل بين علم النفس والسياسة وبين الرياضيات والمحاسبة وهو دائما ما يدق باب التمويل والإحصاء بل وحتى علم الاحتمالات والرسومات الفنِّية، ولكن بالنهاية فإنه يُمكننا ولاختصار الوقت أن نعتبره نمطا من أنماط الدراسات للتعرف على سلوك الأشخاص ونشاطات المجتمع المتعلقة بالمجالات الاستهلاكية والإنتاجية على أن يتم ذلك من خلال استخدام الموارد المتوفرة لإشباع الحاجات المختلفة في الحاضر والمستقبل، ومن هنا فإن الاقتصاد أو النظام الاقتصادي لبلد ما وبشكل عام يتضمن كلاً من الاستثمارات والنقد، العمالة ورأس المال، الموارد الطبيعية والتجارة والتوزيع، الصناعة واستهلاك السلع والخدمات وغيرها الكثير والكثير، وبما أن معظم هذه المعايير قد تختلف من شعب إلى آخر ومن مكان إلى آخر، فإن أشكال الاقتصاد نفسه قد تغيرت أيضا، ونظرا لأن علم الاقتصاد يركِّز على فكرة التوزيع المناسب للسلع والاستغلال الأمثل للموارد وحيث إن لكل مجتمع نموذجا يختلف عن الآخر من حيث المُقدرات والموارد، وبالتالي لكل منها حلول وتعاملات مختلفة فكان لا بد من أن يُقسِّم العالم هذا العِلم إلى عدة أنواع، فبعيدا عن الاقتصاد التقليدي وهو الاقتصاد الذي كانت تعمل به المجتمعات والقبائل القديمة كأقدم أنواع الاقتصاد البشري حيث إنه كان يقوم على الأنشطة الرئيسية التي تعتمد على توافر الموارد الطبيعية المُتاحة مثل الصيد والزراعة، فإن أهم أنواع الاقتصاد الحالي هو ما يلي: الاقتصاد الحُر أو اقتصاد السوق وهو الاقتصاد الذي يتحرك عن طريق قوى العرض والطلب دون أي تدخل حكومي أو خارجي وبذلك فإنه يأتي نتيجة لجميع المُحرِّكات والقرارات والظروف الاقتصادية الموجودة ليظهر ذلك في شكله الأخير والمُتمثل في قوانين العرض والطلب وهي النقاط التي تتحكم في الأسواق والأسعار على حد سواء، ومن أهم خصائص هذا الاقتصاد هو اعتماد مبادئ الملكية الخاصة للسلعة، والمصلحة الذاتية للمُستثمر، وحرية الاختيار والاستثمار "بحيث يكون المُستثمر حُرا في إنتاج وشراء وبيع السلع والخدمات بالأسواق" على أن يكون دور الحكومة الأساسي هو فتح الأسواق وتسهيل وتنظيم العمل بشكل أفضل ويتميز هذا النوع من الاقتصاد بحُرية ممارسة الأعمال والاستثمارات بشكل كبير. الاقتصاد المُوجّه أو الاقتصاد المُخطّط وهو نظام اقتصادي يتم توجيهه والتحكم به من قِبل سلطة مركزية مُعينة والتي غالبا ما تكون الحكومة حيث تعمل هذه السلطة على تنظيم وإدارة عملية الإنتاج فهي من تُحدِّد السلع الواجب إنتاجها، وحجم الإنتاج المُستهدف، وسعر البيع المسموح به وكمية وطرق العرض، ومن أبرز خصائص هذا الاقتصاد هو: السلطة المُطلقة للجهة التي تُنظِّم الاقتصاد على تخصيص السلع وعلى تحديد مقدار الإنتاج الخاص بها وهو الأمر الذي غالبا ما يؤدي إلى ظهور تحدِّيات تتعلق بالزيادة أو النقص في توافر السلع، بالإضافة أيضاً لتحديد النشاطات والأعمال المسموح بالاستثمار بها والتي غالبا ما تكون على أساس دراسة الاحتياجات الأساسية للأسواق، ومن الجدير ذكره أنه في هذا النوع من الاقتصاد معظم القطاعات الحيوية غالبا ما تكون مِلكا للدولة كقطاع الكهرباء والماء مثلا. الاقتصاد المُختلط وهذا النوع هو مزيج من النظامين الاقتصاديين السابقين "الحُر والمُوجّه" وهو النظام الذي لا تتدخل فيه الدولة إلا في حالات الضرورة بحيث تساعد وتُشجّع بعض المستثمرين على استثمارات مُعينة تكون بالغالب ضمن سياسات إنتاجية مُتعلقة بأهداف إستراتيجية واقتصادية، وأهم ميزات هذا النوع هو أن يكون السوق فيه حراً من ملكية الحكومة باستثناء عدد صغير من المجالات الرئيسية والتي غالبا ما تكون تحت ملكية وإدارة الدولة وهي المجالات التي تعتبرها الدولة مجالات حسّاسة وحيوية. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من أهمية دور الدولة والحكومات في تنظيم وتسهيل الأعمال إلا أن وجود رقابة عامة ولو بسيطة على الأسواق قد تكون فعّالة وضرورية لحماية المُستهلكين وصِغار المُنتجين وكذلك لفتح مجالات وأبواب دائمة للاستثمار العام بحيث لا يكون السوق مملوكا لجهة واحدة قوية لا يُمكن لأحد منافستها، كذلك فإن وجود مُحفزات رِبحية بالأسواق بعيدا عن سيطرة الدولة أيضا هو أمر مهم جدا لتحفيز المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال على العمل والإبداع وبالتالي فإن الوسطية بالأسواق وعدم التحكم الكامل بها مع ترك فضاء فسيح من الحرية للعمل والإبداع الشخصي لخلق رغبة حقيقية بتطوير الذات والمجتمع قد تكون مميزات ضرورية لأي إدارة اقتصادية ناجحة، وهنا أتذكر مقولة المُفكّر الجزائري الشهير "مالك بن نبي" حين قال "إن القيمة الأولى في نجاح أي مشروع اقتصادي هي الإنسان، ليس الاقتصاد إنشاء بنك وتشييد مصنع، بل هو قبل ذلك تشييد إنسان وتعبئة الطاقات الاجتماعية في مشروع تحركه إرادة حضارية".