التغيُر سُنَّة الكون وأحد أشكال الحياة، هو ذلك الفعل المستمر الذي يُرافق الإنسان منذ ولادته وحتى مماته، هو أحد الأسباب الهامة التي لولاها لما ميّزنا بين الفصول الأربعة، فبدون هذا التغير كيف لليوم أن يمُر وكيف للطبيعة أن تتجدد، ومن الناحية الاقتصادية فإن تبدُّل الأمور وتغيُرِها هو العامل الأساسي للطلب والعرض وهو وبالرغم من تأثيراته الهامة على الدورة الاقتصادية إلا أنه يبقى الرقم الأصعب في حسابات كل النظريات وهو ما يجعلها جميعها تنتهي بفرضية ثابتة يصعُب تحقيقها هي "مع بقاء العوامل الأخرى على حالها"، ومن هنا ولأن التغيُر هو حالة حتمية تواجه كلا من الأشخاص والشركات والكيانات وحتى الدول، فقد كان السؤال المهم: كيف نواجه هذا التغير؟، وكيف نستفيد منه؟، وما أهم الأمور التي علينا إتباعها لمواجهة حالة التغير التي تمر بها كل من الصناعة التي نعمل بها؟ والمكان الذي نرتزِقُ منه؟. بداية وبشكل مباشر فإن التغير الدائم في الظروف المحيطة يحملنا على تغيير داخلي مستمر وهو ما يُمكّنُنُا من تطويع متغيرات الخارج اليومية لتُصبح أفعالا مُستقبلية مُتسلسلة غالبا ما تكون مُتوقعة بل وحتى منطقية لما نراه اليوم، وهو ما يجعلنا بحاجة لكل من المرونة في التحرك والسرعة في اتخاذ القرارات لمواجهة ما يدور حولنا من تغيرات في عالم المال والأعمال، وهو الأمر الذي يمكن تلخيصه بأهم النقاط الأتية: المتابعة الدائمة والرقابة الدورية ودراسة الحالات والتغيرات اليومية والشهرية التي تمر بها الأسواق، وذلك في محاولة حقيقية لفهم ومواجهة هذه التغيرات قبل وقوعها، وهو الأمر الذي غالبا ما يحتاج إلى فريق عمل يتميز بالمرونة والقدرة السريعة على إيجاد الحلول والعلاجات المناسبة لأي تغيُر أو مشكلة قد يتعرض لها لاحقاً. كذلك فإن تقييم الذات ومحاولة اكتشاف نقاط الضعف لمعالجتها مستقبلا يُعتبران خطوة ضرورية لاستمرار بقاء الشركات، فاليوم وبسبب التطور الهائل في وسائل النقل والاتصالات باتت معظم الشركات في مواجهات مباشرة مع منافسين محليين وخارجيين، وهو الأمر الذي جعل من قطاع تطوير الأعمال قطاعا حيويا لكل الشركات الكبرى، وهو أيضا ما يحملنا للنقطة التالية من عوامل مواجهة التغيير، وهي عدم الوقوع في مصيدة الإعجاب الدائم بمنتج محدد أو قطاع عمل معين، وبالتالي الإصرار على بقاء أي من هذه المنتجات أو السلع على حالها دون تعديل أو تغيير، فالسلع مثل البشر لها دورة حياة اقتصادية تنتهي بمرور السنين وهو ما يجعل عملية استبدالها بسلع جديدة -حتى وإن كان على مراحل - سببا رئيسيا للبقاء ضمن دائرة الموجودين. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه وفي بعض الأحيان يجب توسيع دائرة دراسة الأسواق لتمتد من دراسة المنتجات إلى عمليات تقييم ودراسة القطاع الإنتاجي نفسه، سواء كان ذلك من حيث قدرته على الاستمرارية أو من حيث طرق التخطيط والعمل الحديثة به، ولنا في الدول الزراعية التي لم تواكب التطور التكنولوجي الحديث، والتي باتت تبيع منتجاتها الغذائية بدراهم معدودة تدفعها لاحقا لشراء تكنولوجيا زراعية حديثة لا تلبث أن تتغير، خير مثال على ما قد يؤول إليه مستقبل الشركات التي تُصر على التقوقع ضمن دائرة أعمال ضيقة تعزلها عن العالم لتلفظ بها أنفاسها الأخيرة. وأخيراً وبرأيي الشخصي فإنه وبالرغم من أن التغيير غالبا ما يُحمِّل الشركات تكاليف كثيرة، تبدأ بدراسة الأسواق ولا تنتهي عند تطوير المنتجات وتحسينها الدائمين، إلا أنه سبب هام لتأسيس الشركات الجديدة ودخولها ضمن قطاع الأعمال، وإلا فكيف لها أن تخترق سوقا ثابتة لا تتغير، وهو بالتالي ما يُعطي أهمية قصوى للعقل والابتكار البشري فهو الوحيد الذي أثبت حتى الآن قدرته على كسر جمود هذه المتتاليات الحسابية بأفكار صغيرة ومتنوعة قد تُغّير مجرى التاريخ. وهنا أتذكر مقولة "اندي وارول" الفنان الأمريكي الشهير يقول "إن الوقت يغير كل شيء، وأقول إن عليك أن تبدأ التغير بنفسك ولا تنتظر الوقت"، وكذلك أستذكر قصة شركة "سامسونج" وهي الشركة الكبرى التي تعمل اليوم في مجال تصنيع وبيع المنتجات الإلكترونية المختلفة، حيث تأسست عام 1938 كشركة تجارية صغيرة تتعامل ببيع الأسماك المجففة ومواد البقالة مثل المعكرونة والأرز، لتتحول لاحقا في عام 1947 لصناعة تكرير السكر ومنه لصناعة الصوف في عام 1954، كل هذه التغيرات في الأسواق وفي الشركة استمرت حتى أواخر الستينيات حيث بدأت "سامسونج" بتصنيع منتجها الإلكتروني الأول "تلفزيونات الأبيض والأسود" لتصبح في عام 2018 هي نفسها الشركة الكورية التي أطلقت من الهند أكبر منشأة في العالم لتصنيع الهواتف المحمولة.