أسعار النفط بين المنتج والمستهلك

هنالك لغط حول جدوى السياسة النفطية المتبعة من قبل مجموعة الدول الـ 14 المصدرة للنفط «أوبك». يقول المنطق العادي إن العارضين يحاولون عموما رفع الأسعار عندما تنخفض كي يزيدوا أرباحهم أو يقللوا من الخسائر. الواقع هو عكس ذلك، إذ هدفت السياسات النفطية إلى تخفيض الأسعار عبر الحفاظ على الإنتاج أو زيادة العرض في الأسواق العالمية. الواضح منها أنها تريد الحفاظ على حصتها في السوق عبر البقاء على أسعار منخفضة، وبالتالي تؤثر سلبا على كمية الإنتاج المنافس من دول ذات تكلفة إنتاجية عالية أو من مصادر أخرى منافسة كالنفط الصخري. نتيجة سياسة أوبك هي انخفاض أسعار النفط إلى قيمة حقيقية متدنية جدا، هذا ممتاز للدول المستهلكة، فتنعش اقتصادها المتعثر منذ أزمة 2008. هذا مكلف جدا للدول المصدرة التي تقترض اليوم من الأسواق وتسحب في نفس الوقت بعضا من الاحتياطي النقدي الذي كونته في السنوات القليلة الماضية. في الواقع، في نوفمبر 2014، أصدرت أوبك إستراتيجيتها الجديدة بهدف توسيع أسواقها التصديرية حتى لو خسرت في الإيرادات. هل يمكن تبرير هذه الإستراتيجية الجديدة وعلى أي أسس؟ زيادة إنتاج النفط الصخري كانت لا شك من أهم الأسباب التي دفعت أوبك إلى تخفيض الأسعار. تكلفة إنتاج البرميل الصخري هي في حدود 65 دولارا، مما فرض على أوبك عمل ما يجب لتخفيض سعر برميل النفط دون هذا الرقم. نجحت أوبك في هذا الهدف، فالأمريكيون لن ينتجوا نفطا صخريا إذا كانوا يستطيعون استيراد البرميل بأسعار أدنى وهذا ما يحصل. بانتظار التقدم التكنولوجي الحاصل حتما ليخفض تكلفة الإنتاج، لن يزدهر الإنتاج الصخري دوليا، فالولايات المتحدة كما معظم الدول الغربية مستمرة في نفس الوقت في تطوير إنتاج الطاقات البديلة غير الملوثة وبالتالي هنالك عامل وقت لا يصب في مصلحة الأوبك. إذا بقيت أسعار النفط مرتفعة يصبح الدافع لإيجاد بدائل عنه كبيرا وقويا وبالتالي هنالك مصلحة في تخفيضها. من هذه الناحية سياسة 112014 تدافع عن نفسها بالرغم من التضحية المبذولة من قبل المجموعة. لكن هل يمكن الاستمرار في هذه السياسة الخطرة وهل الدافع فقط اقتصادي أم هنالك دافع سياسي آت من الحليف الغربي الذي يرغب في استهلاك محروقات بأدنى سعر ممكن؟ انخفاض الطلب على النفط واضح بسبب انخفاض نسب النمو في أكثرية دول العالم وخاصة مؤخرا في الصين. في الواقع، انخفض النمو الصيني من 10,6% في سنة 2010 إلى 6,8% السنة الماضية، مما يؤثر سلبا على الطلب العالمي وبالتالي على الأسعار. الأوضاع في الدول الناشئة المستهلكة ليست جيدة وفي مقدمتها البرازيل، حيث يعم الركود. الوضع الأوروبي لا يحسد عليه قبل البريكسيت وبعده، وأوروبا في حيرة من أمرها، كيف توجه نفسها اقتصاديا وسياسيا. إبقاء أسعار النفط منخفضة لفترة ما ربما يساهم في عودة النمو الاقتصادي الدولي وبالتالي في ارتفاع الطلب على المحروقات فيما بعد. إذا سياسة 112014 مبررة أيضا في هذا الإطار وربما بدأت تعطي عائدا طويل الأمد يظهر في تحسن نسب النمو الغربي، خاصة في الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما.