الانفتاح - التعدد والضمانات القانونية محفزات لتحقيق النمو والازدهار

من أهم الأسس والمرتكزات التي تسهم بشكل كبير في نمو وازدهار الاقتصاد وتنشيط الحركة التجارية وتحقيق الرخاء وبناء لبنة من لبنات التقدم في مختلف المجالات والأنشطة الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية والثقافية في بلد أو منطقة أو مدينة من المدن، الانفتاح على الاقتصاديات الأخرى وتقوية وتعميق العلاقات معها وتشجيع الخبرات والكفاءات البشرية والتجار ورجال الأعمال والشركات على تأسيس الأعمال وتبادل التجارة بأنواعها والاستثمار والعمل، وإقرار التشريعات والقوانين التي تضمن الحقوق والحريات والامتيازات وقبول الآخر، والعدل والمساواة وتسهيل الإجراءات ومعالجة ووأد كل أشكال التمييز والتعصب وترسبات الماضي... والتي تشكل في مجموعها ضمانات ومفاتيح ومحفزات لجذب وتشجيع الاستثمارات وتأسيس الشركات وريادة الأعمال ودعم الابتكار والخبرات في جميع التخصصات والمجالات والحقول واستقرارها، وتقدم لنا التجارب الواسعة ونجاحات الماضي أمثلة على ازدهار ونمو مدن ودول وحضارات نتيجة الانفتاح والتعدد والتنوع والحماية متعددة الأوجه القانونية والمعرفية والأمنية والتفاهمات والاتفاقيات والوعي المجتمعي وتسامح وانفتاح الحكام والأنظمة السياسية.. «يعد التعدد والتنوع في كل شيء أفضل للمجتمعات ككل وللإنسان الفرد من الأحادية والتماثل والتطابق في كل شيء» والانغلاق والتقوقع والخوف من الآخر التي تدمر الجهود والمساعي والتطلعات لتحقيق التنوع والتقدم والازدهار والنمو، حيث «من الأفضل للاقتصاد والعلم والحضارة والاجتماع والثقافة أن يضم المجتمع عناصر متنوعة. ومن الأسعد للإنسان الطبيعي أن يرى في مجتمعه أناسا من ثقافات وخلفيات متنوعة ومختلفة، وأن يعيش معهم في وئام وتآخ. وربما لذلك نجد الدول الغربية التي كانت تغلق أبوابها اجتماعيا وثقافيا في وجه الآخر، مثل بريطانيا على سبيل المثال، أيام كان المشرق البحر المتوسطي مجتمعا كونيا بكل معنى الكلمة، تفتح ذراعيها اليوم للمهاجرين من مختلف أرجاء العالم وتحتفي بالتنوع والتعدد» والتسامح. وقد قدم «فيليب مانسيل» صاحب كتاب «ثلاث مدن مشرقية سواحل البحر الأبيض المتوسط بين التألق والهاوية» نماذج لهذه الحقيقة في ثلاث مدن مشرقية ازدهرت في أواخر عصر العثمانيين بفضل الانفتاح والتعدد وتقديم امتيازات وضمانات حمائية، وكذلك لموقعها الإستراتيجي، وروح العولمة والأنسنة التي تشربتها الثقافة العامة، ما قاد لاحتضانها ملايين المهاجرين من العمال والأثرياء ورجال الأعمال والتجار والساسة والمثقفين والعلماء ونخبة من الشخصيات من أنحاء أوروبا خاصة، والتي ظهرت بشكل عام في ازدهار واتساع ثقافة المقاهي والمطاعم والفنون المتنوعة وحركة الصادر والوارد النشطة وسفن الشحن التي تغادر وترسو محملة بصناعات وبضائع ومنتجات العالم، وهي «سميرنا» أو أزمير، التي وصفها أوليا جلبي بأنها «الميناء الأشهر في الإمبراطورية العثمانية، بفضل عدد السفن التي تحمل وتفرغ فيها، وحين كانت تأتي سفن أجنبية من مرسيليا أو أمستردام أو لندن، كانت آلاف المراكب الصغيرة تندفع نحوها على أمل قطع الطريق على السماسرة وتبادل الحرير والوبر المحليين أو العنب والخوخ الطازجين في مقابل القماش والقصدير وأدوات منزلية مثل المرايا والأطباق والإبر والسكاكين...» وأحصى أوليا جلبي فيها «اثنين وثمانين خانا تشبه القلاع، وكانت ثلاثة آلاف وستمائة دكان تدفع الضرائب مرة في الأسبوع، وضمت أربعين مقهى وسبعين مصنع صابون ومائتي حانة كحول وعشرين حانة بوظة».