أبعاد الكورونا متعددة

التأثير السلبي الكبير للكورونا لا يقتصر فقط على تدني مستويات الناتج المحلي الاجمالي، بدأ من 2020 حتى اليوم بل لسنوات مقبلة. قوة الكورونا هي تأثيرها على هيكلية الاقتصاد العالمي، أي ضربت العولمة والقطاعات الكبيرة المعولمة كالطيران والسياحة والمطاعم والفنادق وساعدت قطاعات أخرى كالاتصالات والتكنولوجيا. أظهرت الكورونا ارتباط الاقتصاد بالأخلاق واستحالة مواجهتها اذا تصرف العالم بأنانية. الحلول الاقتصادية للأوضاع الصحية لا يمكن أن تنجح الا بعودة الأخلاق الى كل الاقتصادات والمسئولين عنها في الدول الغنية والفقيرة. تؤثر الكورونا على الانسان الفقير والضعيف أكثر بكثير من تأثيرها على القوي والغني. في فرنسا اليوم هنالك 8 ملايين مواطن يستفيدون من المساعدات الغذائية مقابل 5 ملايين ونصف قبل الكورونا. كما أن ثروات 43 ملياردير فرنسي زادت 2 % خلال 2020 أي أن الفجوة اتسعت داخل المجتمع الفرنسي. في الولايات المتحدة، هنالك 40 % حالات كورونا أكثر بين السود مقارنة بالبيض. حالات الاستشفاء 3,7 مرات أكثر عند السود مقارنة بالبيض. هنالك 2,8 مرات أكثر حالات وفاة عند السود مقارنة أيضا بالأميركيين البيض. لنفس العمر في أميركا، هنالك 4 مرات أكثر وفيات عند السود. هذه الأرقام حقيقية وغير مفاجئة، لكنها تدعو الى التنبه للطبقات الفقيرة المتضررة الأولى من الكورونا. بالاضافة الى تصحيح السياسات الصحية وحتمية التعاون عالميا لمواجهة الكورونا، هنالك أمل كبير في وصول كميات اللقاح الى كل الدول. لا شك أن هنالك تمييز بين الدول الغنية والفقيرة، علما أن لا حل نهائي للكورونا الا بتلقيح كل سكان العالم. مشكلة شركات اللقاح أن هنالك العديد من التجارب السيئة معها في التحاليل والأدوية واللقاحات وغيرها، ولا مجال اليوم للتجارب المرة. عبر التاريخ، تم تزوير العديد من النتائج بهدف البيع والتسويق وهذا قاتل اذا تكرر. هنالك ضرورة كبيرة لاشراف المنظمات الصحية على هذه اللقاحات كي تتعزز الثقة. هنالك دور كبير للشركات نفسها في تطمين الرأي العالم حول فعالية وجودة اللقاحات المتوافرة. لا يقتصر الدور الحقيقي على شركات الأدوية في التوعية والمهنية، بل يجب أن يكون متوافرا في الجسم الطبي والتمريضي والاستشفائي والجامعي والأكاديمي كما في أجهزة الرقابة الرسمية. هنالك ضرورة اليوم في تغليب النزاهة على الفساد. هنالك ضرورة لنشر كل المعلومات وليس اخفاء التجارب السلبية في سبيل التسويق والبيع والربح. الفساد موجود عالميا منذ زمن طويل، لكن تأثيره المضر يظهر في اللقاحات انتاجا وتوقيتا ونوعية وتوزيعا. مواجهة الكورونا عبر اللقاحات وغيرها لا يحتمل حصول أخطاء وضحايا، بل يتطلب توافر المهنية الكبيرة الواعية والفاعلة. المجتمع العالمي هو مجتمع اختبار للقاحات التي تأخذ عادة سنوات كي يتم التأكد من سلامتها. أخذ اللقاحات يبقى أفضل وأسلم بكثير من عدم أخذه. بعد الكورونا، هنالك ضرورة لتصحيح وتطوير وتحديث الأنظمة الصحية الوطنية وتقوية منظمة الصحة العالمية بالايرادات والكفاءات كي تواجه مهمات مستقبلية ربما تكون أخطر من الكورونا.