في حلقة خصصت لمناقشة ملف الباحثين عن عمل، في برنامج (البث المباشر) بإذاعة سلطنة عمان قبل عدة أشهر، نبهت إلى أهمية الاستثمار في القطاع الثقافي وقدمت جملة من المصوغات والأرقام تأكيدا وتعزيزا لرأيي، فقد تحدثت عن دور هذا القطاع في عصرنا الراهن خاصة في تحفيز الأفكار وتجويدها ومخاطبة المجتمعات الأخرى بلغة راقية، وطرحه ومعالجته لقضايا المجتمع التي تعبر عنه بصيغ متعددة تحرك العواطف وتنمي الشعور بآلام الآخر والتجاوب الإيجابي مع معاناتهم، وترفع من قيمة العمل والشعور بالمسؤولية وتكشف عن الكثير من الأخطاء والممارسات غير المسؤولة وتمهد لمعالجتها وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتقدم صورة معبرة عن ثقافة المجتمع وموروثاته والمقومات التي تتمتع بها البلاد، هذا فضلا عما يحدثه من حراك ثقافي وإعلامي وفني واقتصادي ونشاط تجاري متعدد الصور يؤدي مع تطوره وخروجه من المحلية إلى الإقليمية فالعالمية ليصبح قطاعا اقتصاديا مهما يدعم موارد البلاد وعائداتها، وقدمت مثالا على ذلك بصناعة السينما التي تعد واحدة من أهم سياقات القطاع الثقافي، والتي تنموا بشكل متواصل على المستوى العالمي، وتعتبر الهند أكبر منتج للأفلام (1200 فيلم في العام) مع مبيعات للتذاكر تصل إلى نحو (3 مليارات دولار وإيرادات تبلغ 8.1 مليار دولار). ويتوقع أن تتضاعف إيراداتها بمقدار (37.2 مليار دولار بحلول عام 2018، مسجلة نموا بمعدل سنوي مركب يبلغ 15 في المائة). وصناعة النشر ومبيعاتها وأسواقها في الغرب وفي مختلف الدول المتقدمة تشهد نموا رغم الثورة الرقمية والكتب الإلكترونية التي يشهدها العالم، فمنذ العام ٢٠١٣ تراجع (نمو الكتب الإلكترونية في الولايات المتحدة وبريطانيا، فمن نسبة النمو التي كانت تزداد كل شهر مرتين أو ثلاث، تراجع المؤشر إلى نسبة الصفر، بل في بعض الشهور نزل إلى ما دون الصفر). والعديد من الكتاب والمؤلفين في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمكتبات ودور النشر تتحصل في دول الغرب المتقدمة على ثروات طائلة من خلال التأليف والطباعة والنشر والأعمال المرافقة، والعديد من الصناعات تعتمد عليها في تحريك وتنمية أنشطتها كمصانع الورق والأحبار ومؤسسات الإعلام والترويج والترجمة. فما الذي يمنع القطاع الخاص من الاستثمار في الحقل الثقافي ما دامت عائداته مجزية وفقا للأمثلة المحدودة التي عرضنا لها؟ إن الإقبال على هذا المجال الواسع يتطلب توفر بيئة ملائمة تتمثل في مؤسسات ثقافية فاعلة وحركة ثقافية نشطة، وهو ما يفترض أن تنهض به المؤسسات المتخصصة حكومية ومجتمعية تضغط لمراجعة وإصدار القوانين التي تعزز من حرية الرأي وتدعم الكتاب والمثقفين والفنانين وتؤهلهم للعمل في مختلف التخصصات الثقافية، ورعاية الموهوبين والمبدعين في المجالات الثقافية وتطوير مهاراتهم وتدريبهم في معاهد متخصصة في الداخل والخارج واستيعابهم في المؤسسات الثقافية وتهيئتهم لممارسة دورهم الثقافي، وتنظيم الأنشطة والفعاليات الثقافية والنهوض بها وتعزيز دور المدارس والأندية والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني في هذا المجال، وتوحيد جهود المثقفين والكتاب والصحفيين والسينمائيين وتقديم رؤية مشتركة أو خطة عمل للنهوض بالقطاع الثقافي وتحفيز مؤسسات القطاع الخاص على دعم الثقافة والاستثمار في مجالاتها الواسعة، واضطلاع المؤسسات الحكومية المختصة بالقطاع الثقافي بمسؤولياتها في تنفيذ تعليمات السلطان الخاصة بوضع خطة للنهوض بقطاع السينما والدراما، وعقد الاتفاقيات مع مؤسسات صناعة السينما في العالم للقيام بأدوار سينمائية وتصوير الأفلام داخل السلطنة بمشاركة فنانين وكتاب وموهوبين عمانيين.