انتعاش اقتصادي

يتوقع الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط، بل العالم، حصول انتعاش في الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة في إطار تحسن أسعار النفط العالمية من جهة، والبيانات المالية الصادرة عن صندوق النقد الدولي فيما يهم بعض النمو العالمي الإيجابي من جهة أخرى. ورغم الكثير من القيل والقال حول ما ينسب إلى صندوق النقد الدولي وعمل هذه المؤسسة وسياساتها وقراراتها فيما يهم الكثير من الدول واقتصاداتها، إلا أنه لا يمكن الاستغناء عن البيانات التي تصدر عنه بهدف معرفة بعض الحقائق التي تهم العالم. فقبل فترة، أشارت بيانات صادرة عن الصندوق إلى أن الانتعاش الدوري العالمي لا يزال يكتسب قوة متزايدة منذ منتصف العام الماضي 2016، حيث كان الاقتصاد العالمي قبل تلك الفترة يواجه تباطؤا في النمو واضطرابات في الأسواق المالية، إلا أن الصورة الراهنة تبدو مختلفة للغاية مع تسارع النمو في أوروبا واليابان والصين والهند والولايات المتحدة. كما لا تزال الأوضاع المالية قوية عبر بلدان العالم، حيث تتوقع الأسواق المالية قليلا من الاضطرابات في الفترة القادمة، بينما يواصل الاحتياطي الفيدرالي استعادة الأوضاع النقدية العادية ويسير البنك المركزي الأوروبي بخطوات وطيدة في نفس الاتجاه. ووفق آراء المسؤولين في الصندوق فإن هذه التطورات الإيجابية تشكّل باعثا جيدا لمزيد من الثقة، ولكن لا ينبغي لصناع السياسات ولا الأسواق أن يركنوا إليها مؤثرين التراخي، ذلك أن النظرة المدققة تشير إلى احتمال أن يكون التعافي العالمي غير قابل للاستمرار – فالبلدان ليست جميعا مشاركة فيه، والتضخم لا يزال في الغالب أدنى من المستوى المستهدف مع ضعف نمو الأجور، والآفاق متوسطة الأجل لا تزال مخيبة للآمال في كثير من أنحاء العالم. ورغم تفاؤل هذه المؤسسة تجاه التطورات الاقتصادية المقبلة في العالم، إلا أنها تشير إلى أن هناك مخاطر كبيرة تهدد التعافي الجاري، ومن ثم فإن الأسواق المالية التي تتجاهلها تتعرض لعمليات إعادة تسعير مربكة، وتبعث برسائل مضللة لصناع السياسات الذين بدورهم عليهم الاحتفاظ برؤية أطول أجلا واغتنام الفرص السانحة لتنفيذ الإصلاحات الهيكلية والمالية اللازمة بغية تعزيز الصلابة ورفع الإنتاجية والاستثمار. ومن هذا المنطلق فإنه من المهم اتباع هذا المسلك، حيث إن الحكومات كثيرا ما تنتظر وقوع بعض الأزمات لتدفعها إلى اتخاذ إجراءات حاسمة، وهذه بنفسها تشكّل مصدرا للمخاطر التي تهدد آفاق الاقتصاد، وعائقا أمام تحقيق النمو المطلوب. فالتقدم الاقتصادي المحقق مؤخرا يمثّل بيئة عالمية مليئة بالفرص، وعلى صناع السياسات ألا يضيعوا الفرص السانحة لهم في هذا الشأن. ويتطلب الأمر داخل البلدان بأن تغلق فيه فجوات الناتج السلبي حيث يظل نمو الأجور الاسمية والحقيقية حاليا ضعيفا مقارنة بفترات التعافي السابقة، وأن أمام الدول متسعا كبيرا لاتخاذ إجراءات تعزز الصلابة الاقتصادية إلى جانب النمو الممكن. وأنه حان الوقت للتفكير في تنفيذ الضبط المالي تدريجيا، لتخفيض مستويات الدين العام المتضخمة وخلق هوامش وقائية تمكن الاستعانة بها في فترة الركود القادمة، وأن تقوم باستثمارات ضرورية في البنية التحتية المنتجة أو الإنفاق المالي لدعم الإصلاحات الهيكلية، حيث إن ذلك يمكن أن يساعد هذه الحزمة المالية العالمية أيضا على تخفيض الاختلالات العالمية المفرطة.