ذكريات باردة

تمر علينا في هذه الآونة موجات باردة تذكرنا بأهمية الدفء، وللدفء معان كثيرة قد يرتبط بعضها بالبرد بشكل مباشر وبعضها بمعاني الرحمة والقرب والمودة والإنسانية، خصوصا مع ما تعانيه بعض مجتمعات اللجوء والفقر في أماكن متفرقة من العالم. وقد كنت أشرت منذ سنوات إلى رواية انتشرت في أواسط القرن الثامن عشر للكاتب الدنماركي هانس كرستيان اندرسن ولاقت نجاحا كبيرا، وفي طرحي لأحداث القصة أود التأكيد على العلاقة الطردية بين مفهوم ودرجة الإنسانية وعلاقتها بمستوى التطور والتنمية البشرية المستدامة من جهة وبين عدم الإنسانية وأثره على هدم البشرية والإنسان بصيغته المغردة والمجتمع بصورته التكاملية. أما عن أحداث القصة تبدأ حكاية بائعة الكبريت في ليلة رأس السنة، حيث تتساقط الثلوج، والجو القارس البرودة يعم الشوارع، والسماء الرمادية دون ألوان الحياة والأشجار المنحنية من تراكم الثلوج، كانت هناك طفلة صغيرة عارية الرأس، فقدت حذاءها القديم الكبير بينما كانت تسير بين الطرقات والذي استعارته من والدتها قبل وفاتها، وحيث أكملت الصغيرة سيرها حافية القدمين، كانت تجوب الشوارع، باحثة عمن يشتري منها أعواد الثقاب (الكبريت) آملةً أن يتعاطف معها أحد ما، ويشتري منها، ولكن لم تصادف ولا حتى شخصا واحدا، وحيث كانت تشعر بالبرد الشديد وبدأت أطراف أصابعها بالتجمد، ومعدتها كانت خاوية، وحبات الثلج تتناثر على شعرها الطويل الأشقر، عندها أحست الفتاة بالتعب الشديد والإعياء فجلست في زاوية بين منزلين، وأخذت تسترق الأنظار من النوافذ، وتنظر إلى الناس الذين يحضرون طعام العيد، ولم تكن تستطيع الرجوع إلى منزلها، فقد تتعرض للضرب، لأنها لم تبع الكبريت ولم تأت بأي قطعة نقود، ولا تستطيع العودة خاوية اليدين، فهنالك زوج أمها الشرير، عندها أدركت أنها في محنة شديدة وقبل أن تتجمد من البرد قامت بإشعال عود ثقاب، وأحاطته بيدها حتى تشعر بالدفء، وعلى الضوء الخافت من عود الثقاب هذا، تراءى لها بأنها جالسة أمام مدفئة كبيرة حديدية، والنار تشتعل فيها، فينتشر الدفء ويعم المكان، فمدت ساقيها، لتدفئهما، لكن عود الثقاب انطفأ، واختفى ما رسمته أمامها من أحلام، وبقي طرف عود الثقاب مشتعلاً، فأشعلت به عوداً ثانياً، فاشتعل وأضاء ما حولها، فتراءى في مخيلتها مائدة طعام، ثم انطفأ اللهيب، فأشعلت آخر، فتخيلت نفسها جالسة تحت شجرة ميلاد، ثم انطفأ عود الثقاب، ووجدت نفسها تنظر إلى النجوم المتلألئة في السماء، وفجأة سقطت إحدى النجمات من السماء راسمة خطاً من الشهب، فقالت بينها وبين نفسها بأن أحدا قد مات، لأن جدتها العجوز كانت تقول لها، إذا سقطت نجمة، فهذا يعني أن روحاً تصعد إلى السماء، ثم أنارت عود ثقاب آخر، فتخيلت جدتها واقفة وسط الأضواء، راضية سعيدة، كانت جدتها حنونة، وتعامل الفتاة الصغيرة معاملة رقيقة، وما إن رأتها الصغيرة حتى صرخت، جدتي، خذيني إليك قبل أن ينطفئ العود، إني أعلم أنكِ ستختفين، كما اختفت المدفئة، وشجرة الميلاد، وسارعت الصغيرة إلى إشعال بقية أعواد علبة الثقاب لكي تتخيل جدتها فترة أطول، فاقتربت الجدة من الصغيرة المسكينة، وأحاطتها بين ذراعيها، وطارتا معاً إلى السماء، فلم تعد الصغيرة تشعر لا بالبرد ولا بالجوع، ثم انطفأت كل الأعواد. وقد كانت بائعة الكبريت ممدة بين زاويتي المنزلين، بخديها المحمرين، وبسمتها الجميلة على فمها، وقد ماتت إثر البرد في المساء الأخير من السنة، ماتت إثر التجمد في قلوب الساكنين في البيوت المدفأة والذين لم يمدوا لها يد العون. وعندما طلع النهار، ورأى الناس جثتها الممددة، حزنوا عليها ولكن بعد فوات الأوان، لم يعرفوا بأنها نالت الدفء طوال حياتها وبقيت قلوبهم المتجمدة. لم تكن النهاية حزينة بالنسبة لبائعة الكبريت، بل كانت سعيدة، لأنها صعدت إلى السماء مع جدتها، تاركة وراءها الكبريت، والبرد الشديد، والجوع، تاركة وراءها هذا العالم القاسي الذي لم يقدر طفولتها ولا ضعف حالها. فقط هنا عندما يكون الموت أكثر وسامة من الحياة تسقط الإنسانية، فلا كلام عن تنمية ولا كلام عن حضارة ولا اقتصاد، فإذا كانت القصة لامست مشاعر الناس وحازت على تعاطفهم في القرن الثامن عشر فما بالنا في القرن الواحد والعشرين تموت بيننا يوميا مئات من بائعات الكبريت وترى القسوة في عيون البعض لا يهتز له رمش ولا يرعش له قلب، لكل ما تمثله بائعة الكبريت بكل معانيها من الظلم والقهر والهدم في بلادنا العربية. لهؤلاء أقول وبحرفية وموضوعية، إن الرفاه الاقتصادي والاجتماعي الذي نسعى إليه لا يمكن أن يتحقق بدون تنمية تبدأ من الإنسان حيث إن الإنسان هو محور الإنتاج وتنميته، تبدأ من احترام حرياته وكرامته وحقوقه في التعليم والصحة والمشاركة والعدالة الاجتماعية والمساواة وباقي الحقوق التي تكوُن إنسانيته، حقيقة اكتشفتها المجتمعات المتقدمة فكانت سببا في ضمان تقدمها واستمرارها، تحية لروح بائعة الكبريت التي ما زالت تحوم في سمائنا لتلهم القلوب وتوقظ العقول، وأختم بقول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: (من لا يرحم لا يرحم)، وإلى أن ألتقيكم من جديد هذه تحية دفء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.