لم تتمكن حكومات دول الخليج العربية على مدى العقود الأربعة الماضية من التحرر من قيود الاعتماد على الإيرادات النفطية وظل اقتصادها رهينة لتقلبات أسعاره التي تخضع لظروف وأسباب عالمية وتعتمد على نسب العرض والطلب وحجم ونمو اقتصاديات الدول الكبرى وسياساتها القائمة على المصالح والصراع فيما بينها، وظل الاعتماد على النفط يتراوح ما بين 90% إلى 60% تمثل الكويت والسعودية النموذج الأول والإمارات العربية وقطر النموذج الثاني، وظلت إمارة دبي نموذجا آخر في المنطقة يمكن الاقتداء به من حيث نجاحها المتواصل والتدريجي وسياساتها الاقتصادية الرامية إلى الاستغناء عن النفط، ورغم سنوات الرخاء التي شهدت ارتفاعا في أسعار النفط إلا أن دول الخليج لم تتمكن من استثمار فوائض الأموال المحصلة منه في تنمية القطاعات الأخرى البشرية والصناعية والسياحية والسمكية وتوظيف الموانئ المطلة على الشواطئ والمواقع الإستراتيجية على الخليج العربي – بحر عمان – بحر العرب – البحر الأحمر وغيرها، لتحل وفق خطة واضحة مكان النفط الذي تكتنفه مخاطر كبيرة كما أشرت إلى ذلك ولم تحقق نجاحات ملموسة في تصحيح سياساتها الخاصة بسوق العمل المعتمد بشكل كبير على العمالة الأجنبية في الوقت الذي تتزايد فيه نسب المواطنين الباحثين عن عمل من مخرجات التعليم المختلفة. وقد استمرت دول الخليج في دعم الكثير من القطاعات التي تقدم خدماتها للمواطنين كالصحة والتعليم والمشتقات النفطية والكهرباء والماء والضمان الاجتماعي والإسكان. ما كلف موازناتها أموالا طائلة، وقد اعتاد المواطن الخليجي على سنوات من الرخاء والاعتماد على الحكومة حتى في معالجة مشكلة التوظيف التي تعتمد في دول العالم على العرض والطلب ومستوى الكفاءة والتميز. كما أن البنود الخاصة بقطاعات الأمن والدفاع في الموازنات الخليجية تستقطع نسبة كبيرة من الدخل تزيد على تلك الموجهة إلى التعليم والصحة والبحث العلمي مجتمعة في بعض الدول وهي من الملاحظات التي تؤخذ خلال الأعوام الماضية على الموازنات الخليجية وسياسات دولها، واعتبرت في الكثير منها جزءا من صفقات وضغوطات سياسية وتخوفات وهواجس غير مبررة تطلقها وتمارسها الدول الكبرى المنتجة للسلاح على دول الخليج. وما إن انتصف العام الفائت 2015م، حتى بدأت تلوح معه أزمة تراجع أسعار النفط ترافقها العديد من المؤشرات والقراءات المتشائمة التي ترجح أن الأسعار سائرة نحو التدهور لأسباب عديدة، سياسية واقتصادية، تتعلق بانكماش نمو بعض الاقتصاديات المهمة كالصين مثلا وزيادة إنتاج النفط لبعض الدول ودخول منتجين جدد إلى السوق وتزايد التهريب وبيعه في السوق السوداء. ومع تواصل تراجع الأسعار التي بلغت حد الخطر بالنسبة لدول الخليج بدأ التفكير مليا في التخلي عن دعم بعض القطاعات والبحث عن بدائل جديدة والعمل على ترشيد الإنفاق.