شهد العالم في السنوات الماضية نموا كبيرا وتطورا متسارعا في حركة التجارة العالمية وهو ما فتح الباب أمام التجار لنقل تجارتهم وأعمالهم من مكان إلى آخر بهدف تعظيم أرباحهم وتحسين مستوى أعمالهم، ساعدهم في ذلك التطور التقني والتكنولوجي الأخير والذي أدى إلى اختصار الزمن وهو ما فتح الباب أمام الانتقال السريع من سوق إلى آخر ومن فرصة استثمارية إلى أخرى، وبغض النظر عن مستويات الربحية التي حققها هؤلاء التجار وبعيدا عن الفائدة الفردية المحققة لهم، إلا أن هذه التحركات كان لها دور مهم بتحريك المياه الراكدة ودفع عجلة النمو الاقتصادي في الدول المستهدفة وهو ما ظهر واضحا عن طريق ظهور تجار وصناعيين محليين لتلبية متطلبات هؤلاء التجار القادمين من الخارج. هذه الطفرات الاقتصادية جعلت كثيرا من الدول تتحرك وبشكل مباشر بهدف جذب التجار رؤوس الأموال الأجنبية للعمل في أسواقهم بهدف تنشيط هذه الأسواق، وهو ما خلق فكرة جديدة، أُطلِق عليها لاحقا اسم المناطق الحرة، فما هي هذه المناطق؟ وما هي ميزاتها؟ وما الهدف من إنشائها؟ بداية فإن المناطق الحرة أو مناطق التجارة الحرة هي مناطق خاصة في الدولة حيث يتم فيها تقليل المعوقات التجارية المفروضة على حركة التجارة وذلك بهدف تسهيل العمليات التجارية والصناعية وتشجيع الأعمال الجديدة لجذب استثمارات محلية وأجنبية، وبالتالي فإنها غالبا ما تكون ذات كثافة عمالية عالية حيث تشتمل على نشاطات متنوعة من أهمها استيراد السلع والمواد الخام ومن ثم تصدير البضائع والمنتجات المصنعة. ولتوضيح الصورة بشكل سريع فإن المناطق الحرة حيز جغرافي محدد من أماكن الدولة تخضع لشروط وقوانين تجارية ومالية خاصة مما يسمح بتحرك السلع والبضائع بشكل حر ودون التقيد بنظم وقيود التجارة العامة في المناطق الأخرى من الدولة، وهو ما جعلها تُسمى بالمناطق الحرة، وبالحديث عن أهم هذه الإعفاءات فإنها غالبا ما تكون إعفاءات جمركية وضريبية وهو ما يجعل التجار يتجهون للعمل بهذه المناطق بهدف تعظيم أرباحهم عبر توفير مصاريف الجمرك والضرائب. ونظرا لنجاح هذه التجربة في كثير من الدول فقد تحولت لتصبح أحد الأنماط الاستثمارية المتميزة حيث يمكن للمستثمرين تأسيس وإقامة وتشغيل مشاريعهم تحت مظلة تطبيق نظام هذه المناطق والتي وبالرغم من كونها منطقة خاصة في التعامل إلا أنها في النهاية تقع ضمن حدود الدول السياسية وبالتالي فإنها تخضع لسلطتها الإدارية المباشرة. أما بالحديث عن أهم خصائص هذه المناطق فيمكن القول بأن هذه المناطق يجب أن تتمتع بسهولة وبساطة إجراءاتها الإدارية وهو ما يجعل عملية تأسيس الشركات بها عملية سريعة وغير مكلفة كذلك فإنها وبسبب المرونة العالية في عمليات الجباية والسداد داخلها تُعطي مزيد من الحرية في التحركات المالية للمستثمرين وهو ما يُعتبر عامل جذب مهم، وتتميز أيضا هذه المناطق بسهولة حصول الراغبين بزيارتها على تأشيرات الدخول وهو ما يجعلها ذات ميزة عالمية وشمولية تقوم على مبدأ المساواة في التعاملات المالية والتجارية بين المستثمرين والتجار. أما أهداف تأسيس مثل هذه المناطق فهي كثيرة ويأتي على رأسها كل من: جذب رؤوس الأموال الأجنبية وبالتالي فتح فرص عمل جديدة ونقل خبرات شركات أجنبية عملاقة لأبناء البلد وهو ما يرفع من المستوى الإداري والتقني لأبناء البلد. فتح الباب أمام تطوير الصناعات المحلية واستغلال الثروات الطبيعية للدولة وهو ما يرفع من ناتج الدولة المحلى ويُنشِط اقتصادها الداخلي وكذلك يسمح بإعادة توزيع الثروات والأموال. تُعتبر هذه المناطق مصدرا مهما للعملات الأجنبية وهو ما يساهم في دعم احتياطي العملات الأجنبية للدولة كذلك فإن هذه المناطق تدعم الخطة التصنيعية والإنتاجية للدولة وهو ما يساهم في خلق منظومة أمن صناعي للمنتجات الضرورية والذي يُعتبر خطوة أولى في بناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية مستقبلا. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن المناطق الحرة وبالرغم من أهميتها الكبيرة لدعم الاقتصاد إلا أن التخطيط الصحيح لها وحُسن اختيار النشاطات والصناعات المُقامة بها يُعتبر عامل أساسي للحفاظ على المنافسة الداخلية العادلة لصغار التجار المحليين وهو جوهرعمل واقتصاد الدولة نفسها، وهنا أتذكر مقولة رجل الاقتصاد الشهير آدم سميث: "لا شيء يرفع الأمم إلى أعلى درجات الثراء، من أدنى درجات التدهور، مثل السلام، وسهولة الضرائب، والعدل القابل للتطبيق، وكل شيء آخر سيأتي تباعًا".