يعيش الإنسان في هذه الحياة سنوات عديدة، يمر خلالها بمجموعة كبيرة من التجارب والأعمال، والتي تختلف في متطلبات تنفيذها فمنها ما هو الصعب المُتعِب ومنها ما هو السهل اليسير، وبالرغم من الفرق الكبير في المجهود بين كل منهما إلا أن كلا من الأعمال السابقة يترك لمن يقوم به بعضا من آثاره وعلاماته الذهنية منها أو الجسدية، ومع مرور الزمن ومع تكاثر هذه الأعمال وتشعبها ومع تعدد احتياجات ومتطلبات الحياة وبالتالي ضيق الوقت المتاح أصبح الإنسان غير قادر على إنهاء جميع أعماله بيديه وهو ما دفعه للاستعانة بأشخاص آخرين للقيام بهذه الأعمال، ومع تكرار تنفيذ بعض الأعمال أصبح البعض متمرسا بها وهو ما جعله يُسمى خبيرا، فما هي هذه الخبرة؟ وما هي أهميتها؟ وهل هي أهم من اكتساب العلوم والشهادات؟ بداية ومن الناحية اللغوية فإن الخبرة هي نتاج ما مرّ به أو رآه الشَّخص من أحداث، وهي مجموع تجارب المرء وثقافته ومعرفته، أو هي المعرفة والمهارة التي يكتسبها الفرد من خلال قيامه بمهمة ما أو رؤية شيء معين أو الإحساس به، وهي أيضا الشيء الذي يحدث للفرد ويؤثر على كيفية قيامه بتنفيذ العمل واتخاذ القرارات، وبالتالي فإنه وبشكل بسيط فإن الخبرة هي المهارة المكتسبة في مجال معين والتي تجعل صاحبها يقوم بالعمل بوقت ومجهود أقل ليحقق نتائج أفضل بتكاليف أقل وهو ما يُحقق تطورا ونموا ملحوظا في هذا العمل. ومما هو جدير بالذكر أن الخبرة تلعب دورا هاما في تطوير وتنمية العمل والشركات بل وحتى المجتمعات الإنسانية، فالخبرة والمعرفة الدقيقة تفتح الباب أما توفير الوقت والجهد وهو ما يؤثر إيجابا على تخفيض التكاليف وبالتالي تعظيم الأرباح، كذلك فإن الخبرة تزيد من مستوى الجودة الخاصة بالعمل وهو ما يعطي للشركة ميزة تنافسية هامة تساعد على توفير أفضل المنتجات وأكثرها جذبا للعملاء. وبالرغم من أن الخبرة تأتي في المركز الثاني في بعض المهن، إلا أن تأثيرها على خلق أجواء عامة من الثقة والسهولة في التعامل يؤثر بشكل مباشر على إضافة نكهة من الحِرفية في أداء فريق العمل وهو الذي يَعتبر صاحب الخبرة صمام الأمان الرئيسي لنجاح أي مشروع. وهنا تجب الإشارة إلا أنه يمكن الحصول على الخبرة بشكل عام عن طريق تكرار القيام بالعمل وكذلك يمكن اكتسابها عن طريق التعلم ومشاهدة الأعمال التي يقوم بها أصحاب المهارة وأيضا يمكن تحصيلها عن طريق الدورات التدريبية والبرامج التعليمية المتخصصة، فالخبرة وبالرغم من أن البعض يعتبرها مُكمِّلا للشهادة الأكاديمية إلا أنها وفي مجالات عديدة أصبحت شرط العمل الأهم بل والوحيد أحيانا خاصة للمهن التي تعتمد على تقديم خدمات يتم قياس جودتها عن طريق قياس مستوى رضا مستخدميها. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن الخبرة والمعرفة كلاهما شرط مهم وأساسي لرفع مستوى الإنتاجية والكفاءة لأي مؤسسة، فإذا كانت الشهادة هي المفتاح الذي يُستخدم لفتح الأبواب المغلقة فإن الخبرة هي الخارطة التي تساعد في الوصول إلى جميع زوايا الغرف، وإذا كان العلم هو الذي يُوفر الأدوات المختلفة لمواجهة ظروف العمل فإن الخبرة هي التي تحدد القرار الأمثل لتحديد توقيت وطرق استخدام هذه الأدوات بهدف الاستفادة المُثلى منها، وهنا أتذكر مقولة الطبيب الشهير وليام أوسلر: «يبدأ الطبيب حياته المهنية بأن يصف عشرين دواء لكل مرض، وبعد سنوات من الخبرة ينتهي إلى أن يصف دواء واحداً لعشرين مرضاً»، كذلك فإني أستذكر قصة محرك السفينة العملاقة في شركة النقل العالمية والذي تعطّل واستعصى إصلاحه على جميع المهندسين العاملين في الشركة، وهو ما دفع المدير للاستعانة بميكانيكي عجوز قضى عمره في إصلاح السفن، وحين أتى العجوز بدأ فورا في فحص المحرك وسماع صوته بشكل دقيق، وما هي إلا دقائق حتى وضع عدة قطرات من الزيت على إحدى قطع المحرك وأخرج مطرقته الصغيرة وطرق بها بهدوء لعدة مرات فوق جزء معين في المحرك، وهنا كانت المفاجأة، حيث عاد المحرك فورا للعمل وبشكل مثالي، وبعد أيام استلم أصحاب السفينة فاتورة إصلاح المحرك من الرجل العجوز وكانت بقيمة عشرة آلاف دولار فصاحوا جميعا: (لماذا؟ هو فقط عمل لدقائق ولم يستخدم إلا المطرقة والزيت)، ولهذا طلبوا منه فاتورة مُفصَّلة لما قام به من عمل، فكان رده لهم سريعا: قيمة الزيت والطرق بالمطرقة 10 دولارات، أما قيمة الخبرة وتحديد مكان الطرق ووضع الزيت فهي تعادل 9,990 دولار.