التهور المالي والضوابط

في وسط السلطة المالية العالمية، يقع المصرف المركزي الأمريكي الذي يؤثر كثيرا على التضخم والبطالة والنمو وكذلك على الاستقرار الاقتصادي العالمي. عبر السياسة النقدية، أي خاصة تحريك الفوائد القصيرة الأجل كما عبر التمويل الاستثنائي للمصارف، يؤثر المركزي على الأوضاع الداخلية وخاصة على الدولار وقوته. هنالك دور أساسي للمركزي في الإجراءات والرقابة على المؤسسات المرتبطة به خاصة المصارف، والهدف منها إبقاء النظام صحيا وسليما وفاعلا. خطورة الأزمة المصرفية أنها تنبع من ضعف الثقة، وبالتالي تنتقل بسرعة بين المؤسسات وتؤثر على سلامة جميع الأسواق. ثقة المودعين هي ركيزة أي نظام مصرفي وأي ضعف لها يصعب تصحيحه، وبالتالي الرقابة المسبقة هي في غاية الأهمية. ضعف الثقة أو غيابها يؤثران على سلامة القطاع المصرفي وبالتالي يمكن للإفلاسات أن تحصل بسرعة. الذعر أو الرعب من سلامة المصارف يضرب القطاع، وهنا تكمن أهمية الهيكلية المصرفية أي التجانس بين الأصول والديون في القيمة وخاصة الآجال. سمح تطور السلطة المالية بأدواتها وقوانينها للجميع بالمشاركة أيا كان موقعهم وأيا كانت قوتهم المالية وثرواتهم. دخول الجميع الى أسواق المال كان مفيدا لكنه خطرا لمن يغامر أو يجهل قواعد السوق، وبالتالي تحققت بعض الخسارات الكبيرة لمن تهور خاصة صغار المستثمرين أو الطبقات الوسطى. للقوة المالية الأمريكية أعداء ظهر تحركهم في الشارع، ونذكر منهم حركة «احتلال وول ستريت» في سنة 2011 وحركة «تحطيم المصارف» في سنة 2016، لأن النتائج لم تكن فاضلة وبالتالي خسر الجميع من التهور المالي ومن سوء إدارة المؤسسات المالية والمصارف تحديدا. هنالك اليوم حركة مالية ذكية تقوم على بناء الشركات الجديدة الصغيرة والمتوسطة عبر طرق حديثة للتمويل والاستثمار. استفادت هذه الحركة من التطورات المهمة التي حصلت في التكنولوجيا والحواسب وعلوم الرياضيات والإحصائيات. هنالك أيضا أدوات مالية جديدة خطرة أدهشت العالم وما زالت كالبيتكوين التي تلفت نظر المستثمرين والمغامرين تحديدا. في الولايات المتحدة نفذت خطوتان مهمتان هدفتا الى تجنب حصول كوارث مصرفية مستقبلية كما حصل في 2008. أولا تطور نظام ضمانات الودائع بحيث اطمأن المواطن أكثر الى سلامة أمواله. ثانيا، تم إصدار قانون «دودد فرانك» في 2010 لهدف السلامة. وحد القانون الرقابة المالية عبر مجلس متخصص بحيث أصبح ممكنا رقابة الأسواق والشركات بشكل متكامل أيا كان حجمها. يمكن للمجلس الرقابي الجديد فرض إجراءات السلامة على جميع المشاركين في الأسواق المالية للتأكد من الأوضاع. هل تضمن هذه الإجراءات أن الأزمات المالية لن تحصل مستقبلا؟ طبعا لا، فالأزمات يمكن أن تحصل بالخطورة نفسها وربما أقوى مع التطورات التكنولوجية في الأدوات والقوانين والحواسب. كل ما تفعله القوانين هو التخفيف من إمكانية حصول أزمات، وإن حصلت يمكن أن تكون أقل قوة وضررا على المواطن العالمي. ما سبق يطمئن من ناحية الدولار كنقد عالمي قوي جاذب لثقة المواطن، دون أن نهمل أهمية التنويع في العملات والاستثمارات.