فكرة إنهاء الفقر بدأت في القرن الثامن عشر، لكنها لم تنتج سياسات ونجاحات بسبب ضعف الاهتمام، في القرن التاسع عشر، تدنت مستويات الفقر كثيراً، وبالتالي لم يعد الموضوع أولوية، مضت الأيام وعاد الاهتمام بالفقر ليظهر منذ ستينيات القرن الماضي ليس فقط بسبب المؤشرات الاقتصادية المتدنية وإنما خاصة بسبب الوعي الشعبي لمساوئ الفقر. عند تسلم "مارتن لوثر كينغ" جائزة نوبل للسلام في سنة 1964 قال "لا شيء جديدا فيما يخص الفقر، إلا فقط أننا نملك اليوم الموارد المناسبة للقضاء عليه". في نفس السياق، قال الاقتصادي السويدي "ميردال" الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد في سنة 1964 وفي خطاب في جامعة جورج تاون "إن القضاء على الفقر يحتاج إلى مشروع مارشال متخصص"، عاد الاهتمام بالفقر ليتدنى مع ظهور أزمة الديون الخارجية في الثمانينيات، فعدلت الحكومات أولوياتها لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحفيز النمو، بعد فترة قصيرة عاد الفقر والاهتمام به مجدداً إلى الواجهة. فيما يخص لبنان، المشاكل كبيرة، الفترات الطويلة المطلوبة لتشكيل حكومة، كما حصل مع السفير مصطفى أديب والرئيس الحريري وغيرهما، تشير كلها إلى تعثر النظام اللبناني في إنتاج ما يريده اللبنانيون من حياة كريمة ومريحة، بالرغم من وجود عراقيل خارجية، إلا أن المشكلة في لبنان هي صراحة داخلية بامتياز وسببها عدم اتفاق اللبنانيين على أكثرية الأمور الأساسية وليس السطحية فقط. ما انتجه اتفاق الطائف لم يعد يكفي، ولابد من تعديل أو تطوير يسمح بتداور السلطة بهدوء وسرعة ويجدد ثقة الشعب بالنظام ويضخ الأمل مجددا في قلوب وعقول اللبنانيين، ما قاله الرئيس ماكرون بشأن السياسيين يعبر عن مشاعر أكثرية اللبنانيين تجاه الطبقة السياسية الفاسدة المتحكمة بالقرارات، من الأمور المهمة السيئة التي انتجها النظام اللبناني هو ارتفاع الفقر وفشل المعالجات وغياب الخدمات العامة الجيدة. الفقر ظلم وكآبة وتعاسة وينعكس سلباً على الاقتصاد بالرغم من أنه ينتج عنه، في لبنان الفقر كان نسبياً، إذ لم نعتد يوما على وجود فقراء كما في بنغلاديش والهند وباكستان، أما اليوم وبسبب الأوضاع وانهيار الليرة أصبحنا كتلك الدول في مستوى دخلها الفردي وفي الحد الأدنى للأجور، يحدد البنك الدولي الفقر بدخل فردي أقل من دولار واحد في اليوم وتم تعديله لاحقا إلى دولارين، ونحن اليوم نقع ضمنه مع دولار يقارب الـ 20 ألف ليرة، كنا نشبه لبنان حتى آخر 2019 بأفضل الدول الناشئة، أما اليوم فنشبهه بالدول النامية المتعثرة ليس فقط ماديا وإنما معنويا وإداريا ونفسيا وأخلاقيا، لبنان خسر الكثير منذ بداية 2020 وما زلنا نخسر بسبب غياب القيادات الكفؤة والمناسبة. يحارب الفقر كما الكورونا عبر جمع الشمل الدولي، ضربه وطنياً فقط لا ينجح بسبب العلاقات التجارية والمالية الدولية وبسبب انتقال الشعوب بين الدول، مشكلة الفقر كما الكورونا تكمن في أن القضاء عليهما يتطلب جهوداً كبرى متنوعة مشتركة منسقة بين مصادر متعددة.