الكتابة في مجال الفساد وخاصة الاقتصادي منه من الموضوعات الحساسة والشائكة، فمنذ أيام انتابتني حالة من الضحك وأنا أقرأ قصة حقيقية لمجموعة من اللصوص قرروا أن يؤجلوا عملية السطو المسلح لمدة عشر دقائق عن الموعد المحدد لهم على أحد محلات بيع المصوغات الذهبية الكبيرة والشهيرة، والكائنة بأحد المولات التجارية المعروفة في عاصمة إحدى الدول العربية، والتي كانت محصنة بكاميرات المراقبة، فضلا عن حراس الأمن، حتى تتسنى لهم قراءة الفاتحة تيمنا بها وتحصينا لعودتهم سالمين وغير مكلبشين. وقد حزنت في نفسى على هذا الفهم الضال، حيث يزين الشيطان للفاسدين سوء أعمالهم فيرونه حسنا وجميلا. فالفساد الاقتصادي من أخطر المشاكل التي تواجه بلدان العالم، حيث تقدر الخسائر الناتجة عنه سنوياً على مستوى العالم بحوالي تريليون و600 مليار دولار، كما أنه المعوق الأساسي للنمو الاقتصادي والمعول الرئيسي للهدم. وتتعدد أشكال الفساد من الرشوة واختلاس المال العام إلى غسيل الأموال والاتجار في المخدرات والتزوير واستغلال السلطة والمحسوبية، كما أنه يمتد إلى السرقة والنهب بطرق ملتوية ومختلفة. هذا ويشمل الفساد الجوانب الإدارية والسياسية والاجتماعية والثقافية، فضلا عن الاقتصادية. ومن أهم أسبابه الاستبداد السياسي والفكري وضعف المؤسسات وغموض القوانين المطبقة وتعارضها في كثير من الأحيان وكذلك تدني المستوى القيمي والأخلاقي للمجتمع وضعف الاقتصاد، حيث يكون المناخ العام مهيأ لانتشار الفساد، كما أن الفساد له جذور ضاربة وبقوة في الأعماق يصعب معها اقتلاعها حتى ولو تم ذلك من خلال إطلاق صواريخ نووية عليها. وأعتقد جازما أن أخطر ما في الفساد أنه يؤسس لقيام اقتصاد طفيلي ويدمر الاقتصاد الحقيقي، حيث تعتمد رؤيته العلمية على الفهلوة وسوقه على الاحتكارات واستثماراته على المضاربات المحمومة. فهو دائماً ما يوجه دعمه للأغنياء ويعين قيادات شركاته ومؤسساته من الوصوليين وأصحاب الذمم الخربة. وإذا كان الاقتصاد قد تطور من التقليدي إلى اقتصاد العقول فإن الفساد أيضا قد تطور وبسرعة أكبر من خلال الفساد الإلكتروني والرقمي. ويلاحظ أن عددا كبيرا من البلدان العربية تقع وللأسف ضمن دول العالم الأكثر فساداً وذلك طبقا للمؤشر الذي تصدره منظمة الشفافية العالمية، حيث تقدر خسائر الدول العربية الناتجة عن الفساد سنويا بحوالي 400 مليار دولار، كما يقدر حجم غسيل الأموال بها بحوالي 25 مليار دولار سنوياً. كما تجب الإشارة إلى أن جميع تجارب دول العالم الاقتصادية الناجحة كان العامل المشترك والمؤثر فيها جميعا مكافحة الفساد والإصلاح المؤسسي والشفافية والرقابة، وأخيرا فإن عالمنا العربي وخاصة بلدانه التي تقبع في مؤشر الفساد تحتاج إلى تغيير وتجديد في الفكر لمحاربة الفساد، كما أنها تحتاج إلى تعاون ومساندة المؤسسات العربية والدولية ذات العلاقة. وتحتاج أيضا إلى دعم سياسي وقوي بضرب البنية التحتية والفوقية للفساد، والأهم من ذلك أننا نحتاج إلى الإخلاص في النوايا يصدقه حسن العمل وجديته. فالتقدم الاقتصادي قطار سريع الحركة لا يأخذ معه إلا المجتهد، أما النائم في ظلمات الفساد فعليه البقاء.